في عدن، لم تعد العمارات السكنية بحاجة إلى مهندس إنشائي بقدر حاجتها إلى قارئ فنجان.
فالناس لم يعودوا يسألون: "كم عمر المبنى؟"، بل: "كم بقي له من العمر المتوقع؟"
العمارات العتيقة في كريتر والتواهي والمعلا وخور مكسر أصبحت نسخة إسمنتية هشة من حال البلاد نفسها؛ جدران
متشققة، وأعمدة منهكة، وسكان يعيشون على أمل مؤقت بأن "اليوم قد يمر بسلام".
المواطن تعايش مع انقطاع الكهرباء حتى صار الظلام جزءًا من الديكور الداخلي، وتعايش مع انقطاع المياه وغاز الطبخ
حتى أصبح البحث عنهما دوامًا يوميًا للأسر، لكنه لم يعتد بعد فكرة أن ينام وهو لا يعرف: هل السقف فوقه أم عليه؟
ولا تتعجب حين تسمع أن طلاب جامعات عدن القادمين من الأرياف يسكنون في "فندق عدن" المتهالك، الخالي حتى من
أبسط الخدمات الصحية؛ فذلك أيضًا شكل آخر من أشكال السقوط الذي يُمنح لهذا الشعب بالتقسيط.
بعض مباني عدن أقدم من دول كاملة؛ شُيّدت أيام البريطانيين، ومع ذلك عانت كل أشكال الإهمال والدمار، في الحرب وفي
السلم المزيّف، لكنها اليوم تستسلم ببطء بسبب الإهمال ووعود إعادة الإعمار التي يتحدث عنها الداخل والخارج دون جدوى
تُذكر.
وفي أي مدينة طبيعية، حين يتصدع جدار، تأتي لجنة هندسية.
أما في عدن، فلا جهة مختصة تسأل، ولا لجان مدنية تهتم، ويبقى الجميع يترقب السقوط بصمت، حتى إن مصطلح "آيل
للسقوط" فقد هيبته.
فالعمارات آيلة للسقوط، والاقتصاد آيل للسقوط، والخدمات آيلة للسقوط، والتعليم آيل للسقوط، والكهرباء سقطت فعلًا منذ
سنوات، وبقي المواطن وحده يترنح… وربما لأنه لم يجد مكانًا آخر يسقط إليه.
ومع كل موسم أمطار، يبدأ همّ المواطن؛ يراقب ميلان الأعمدة، ويحسب سرعة تساقط الإسمنت، ثم يقرر إن كان سينام داخل
البيت أم في الشارع، باعتبار الشارع أحيانًا أكثر أمانًا من المنزل نفسه.
المؤلم أن الناس لم يعودوا يحلمون بمدن ذكية كما تفعل شعوب العالم، بل أصبح أقصى طموحهم أن يبقى البيت واقفًا، وأن
تبقى الأسرة حية، وأن يمر يوم آخر دون خبر انهيار جديد… سواء كان انهيار عمارة أو انهيار خدمات.
وفي الواقع، تبدو العمارات المتشققة أكثر صدقًا من كثير من الجهات الرسمية المسؤولة عن حياة الناس وخدمتهم.
فالعمارة حين تتعب تُظهر شقوقها بوضوح، بينما تظهر على وجوه كثير ممن تعاقبوا على إدارة المؤسسات ملامح الترف،
أكثر مما تظهر عليهم آثار المسؤولية أو الإحساس بمعاناة الناس.
لقد اعتاد الناس العيش تحت الأنقاض وهم يظنون أنهم ما زالوا أحياء، في بلدٍ يتذيّل قوائم الفقر والانهيار، حيث تُدار المعاناة
بالتقسيط غير المريح، ويُؤجَّل السقوط الكامل يومًا بعد آخر… حتى صار الصبر مجرد وسيلة مؤقتة للبقاء.