بدايةً، لا بد من توجيه التحية للأستاذ محمد قاروط أبو رحمة على مقاله الهادئ والمتماسك، والذي حاول أن يناقش الأفكار بعيدًا عن الانفعال أو الشخصنة، وهذا بحد ذاته أمر يحتاجه المشهد الفلسطيني اليوم أكثر من أي وقت مضى، خصوصًا في القضايا المرتبطة بحركة بحجم وتعقيد حركة فتح.
وأعتقد أن القيمة الحقيقية لهذا السجال الفكري لا تكمن في “من ينتصر” في النقاش، بل في أن فتح ما تزال قادرة على إنتاج هذا النوع من الحوار الداخلي حول معناها ومستقبلها ودورها التاريخي. فالحركات التي تموت فعلاً لا يُختلف عليها بهذا العمق، ولا تبقى حاضرة بهذا الثقل داخل الوعي الفلسطيني.
لكن، وفي الوقت نفسه، أرى أن الأستاذ محمد قرأ مقالي وكأنني أطرح إعلان وفاة سياسي لحركة فتح، بينما ما حاولت قوله كان مختلفًا تمامًا.
أنا لا أقول إن فتح انتهت، ولا أعتقد أن أي فلسطيني يمتلك حدًا أدنى من الوعي الوطني يستطيع إنكار مكانة فتح التاريخية أو دورها المركزي في تشكيل الهوية السياسية الفلسطينية المعاصرة. فتح ليست تفصيلًا عابرًا في التاريخ الفلسطيني، بل هي العمود الفقري لمرحلة كاملة من إعادة بناء الشخصية الوطنية الفلسطينية بعد النكبة.
لكن الاعتراف بهذا التاريخ لا يعني إلغاء الأسئلة الصعبة.
فالقضية ليست إن كانت فتح ما تزال موجودة تنظيميًا أو جماهيريًا، لأن وجودها واضح في الشارع والجامعات والنقابات والبلديات ومؤسسات منظمة التحرير والسلطة الفلسطينية. والقضية أيضًا ليست إن كانت الحركة ما تزال قادرة على الحشد أو التأثير، فهي بالتأكيد ما تزال الفاعل الفلسطيني الأكبر حتى اللحظة.
السؤال الذي حاولت طرحه أعمق من ذلك: هل الشكل السياسي والتنظيمي الحالي للحركة قادر وحده على التعامل مع التحولات الهائلة التي أصابت فلسطين والمنطقة والعالم؟
وهنا أعتقد أن الخلاف بيني وبين الأستاذ محمد ليس على أهمية فتح، بل على طبيعة المرحلة نفسها.
هو يرى أن تعقيد الحالة الفلسطينية يفرض إدارة التناقضات والاستمرار داخل المنطقة الرمادية الحالية، وأنا أتفهم ذلك تمامًا، بل وأوافق على جزء مهم منه. فلا أحد يتعامل مع الحالة الفلسطينية وكأنها نموذج تحرر تقليدي بسيط يمكن نسخه من تجارب أخرى.
لكن المشكلة أن “إدارة التناقض” حين تطول أكثر من اللازم قد تتحول تدريجيًا من تكتيك سياسي إلى بنية دائمة، ومن مرحلة انتقالية إلى واقع مغلق يستهلك الفكرة الوطنية نفسها.
وهنا يكمن القلق الحقيقي.
فالسلطة الفلسطينية لم تُنشأ كي تصبح المشروع الوطني بحد ذاته، بل كمرحلة مؤقتة ضمن مسار سياسي كان يفترض أن يقود إلى التحرر أو الدولة أو الحد الأدنى من السيادة. لكن ما جرى عمليًا هو أن المرحلة المؤقتة طالت، بينما تآكلت السياسة الوطنية تحت ضغط الإدارة اليومية والتمويل والاشتراطات الدولية والانقسام والاستيطان.
وهذا ليس اتهامًا لفتح وحدها، ولا تبسيطًا للمشهد، بل توصيف لأزمة تعيشها الحركة الوطنية الفلسطينية كلها.
كما أنني لا أعتقد إطلاقًا أن “اللغة القديمة” وحدها هي الأزمة، كما أشار الأستاذ محمد، بل إنني أوضحت في المقال أن التحولات الدولية والإقليمية، وطبيعة المشروع الصهيوني، وانهيار النظام العربي، كلها عوامل ساهمت في إنتاج المأزق الفلسطيني الحالي.
لكن هذا لا يلغي ضرورة المراجعة الداخلية.
فكل الحركات التاريخية الكبرى في العالم اضطرت في لحظات معينة إلى إعادة تعريف أدواتها ووظائفها وخطابها، ليس لأنها أنكرت تاريخها، بل لأنها أرادت البقاء فاعلة داخل واقع متغير.
وإعادة التعريف هنا لا تعني “هدم فتح” كما قد يُفهم أحيانًا، بل تعني منع تحولها إلى أسيرة لصورتها التاريخية فقط.
فأخطر ما قد يصيب أي حركة تحرر هو أن تتحول ذاكرتها العظيمة إلى بديل عن مشروعها المستقبلي.
أما فيما يتعلق بمسألة “المنظّر الخارجي” التي وردت في المقال، فأعتقد أن القضية الوطنية الفلسطينية أكبر من أن تُختزل في حدود التنظيمات أو العضويات الرسمية. فمن حق أي فلسطيني يشعر بالقلق على مستقبل شعبه أن يناقش ويقترح وينتقد، تمامًا كما من حق أبناء فتح الدفاع عن تجربتهم ورؤيتهم.
النقاش الوطني لا يجب أن يتحول إلى صراع بين “من داخل الحركة” و”من خارجها”، لأن القضية ليست ملكًا لأحد، ولأن المشروع الوطني الفلسطيني تاريخيًا كان دائمًا أوسع من الأطر التنظيمية نفسها.
وفي المقابل، أتفق مع الأستاذ محمد في نقطة شديدة الأهمية: السياسة ليست تنظيرًا مجردًا.
فالعمل الوطني الحقيقي لا يُقاس فقط بحدة الخطاب، بل بالقدرة على حماية الناس، ومنع الانهيار، والحفاظ على الحد الأدنى من الصمود الوطني في واحدة من أعقد البيئات السياسية في العالم.
لكنني أضيف هنا: كما أن السياسة ليست شعارات فقط، فهي أيضًا ليست إدارة يومية فقط.
الشعوب لا تعيش على الرواتب وحدها، ولا على الخطابات وحدها، بل على وجود معنى سياسي وأفق تاريخي تشعر من خلاله أن التضحيات لا تُدار فقط… بل تتجه نحو مشروع واضح.
وربما هنا تحديدًا تكمن المعضلة الفلسطينية الكبرى اليوم: كيف نحمي المجتمع دون أن نخسر فكرة التحرر؟ وكيف ندير الواقع دون أن يتحول الواقع نفسه إلى سقف نهائي للحلم الفلسطيني؟
هذا، برأيي، هو جوهر النقاش الحقيقي.
أما فتح، فستبقى جزءًا أساسيًا من أي إجابة فلسطينية مقبلة، سواء اتفقنا أو اختلفنا حول شكل هذه الإجابة. لأن الحركة التي استطاعت أن تحمل الوعي الفلسطيني لعقود، قادرة أيضًا — إذا امتلكت الشجاعة الكافية للمراجعة والتجديد — أن تكون جزءًا من إعادة إنتاج المشروع الوطني الفلسطيني، لا مجرد إدارة أزمته.