أ.د مهدي دبان
تعصف بالعربي والمسلم الحر العواصف، وتزلزل كيانه، وتتصدع أركانه، حتى ليغدو الإنسان غريبا عن نفسه، مثقلا بهموم الحياة، يفتش عن قوت يومه بين طوابير العجز والانكسار. يصحو على آهات أطفاله وأنات الجوع، ويمشي في الطرقات محدثا نفسه، كأن العالم ضاق بما رحب..... لكنه، ورغم كل هذا الخراب المتراكم في داخله، ما إن يُذكر أمامه اسم فلسطين أو المسجد الأقصى حتى ينتفض قلبه فجأة، وكأن روحا جديدة قد دبت فيه، وكأن القيود التي كبلته انكسرت دفعة واحدة....إنها القضية التي لم يحملها العربي يوما على كتفه فقط، بل حملها في وجدانه ودمه وذاكرته، فصارت وطنا معنويا يسكنه حتى في لحظات التيه وفقدان التركيز والانطفاء.
ولطالما كانت هناك ومضات مضيئة تأتي من أماكن لا يتوقعها أحد، تُعيد التذكير بأن فلسطين ما زالت تسكن القلوب الحرة....من مواقف المدرب العظيم بيب جوارديولا الإنسانية الواضحة، إلى تلك اللحظة التي رفع فيها الفتى الذهبي لامين يامال العلم الفلسطيني بكل عفوية وجرأة، رغم حداثة سنه وضجيج الشهرة والمراهقة.... كانت لحظة صغيرة في ظاهرها، لكنها كبيرة في معناها، لأنها أكدت أن الوعي بالقضية لا يقاس بالعمر، بل بسلامة الفطرة ونقاء الضمير. وقد نالت تلك اللفتة ترحيبا واسعا، لأن الجماهير رأت فيها صورة لجيل جديد ما زال يشعر بالمظلومية الفلسطينية، وما زال يرى في الأقصى قضية كرامة لا قضية سياسة فقط. وحين يصدر الموقف من نجم صاعد، أيقونة للجمال والموهبة، فإن الرسالة تصبح أعمق وأبعد أثرا......