مَن ما زال متمسكاً اليوم بما يسمى "الوحدة"، ليسوا سوى جماعة من أصحاب المصالح الدنيوية الخاصة، الذين لا يقيمون وزناً لشعب يتجرع يومياً مرارة القهر، والجوع، والإذلال. إنهم فئة رهنوا أنفسهم للمكاسب المالية، وباعوا الأوطان من أجل فتات المال، دون أي تفكير في مستقبل شعب وأجيال في حضرموت تعاني الأمرين من الفقر والفاقة.
لقد سلمت بريطانيا حضرموت للجبهة القومية عام 1967؛ نكاية بهذا الشعب الذي نشر الإسلام في قارات العالم بالحكمة والموعظة الحسنة، والقيم والأخلاق العالية. وكانت تلك البداية لدخول حضرموت نفقاً مظلماً من الصراعات، والاقتتال، والتصفيات، والقهر، ومنع السفر للخارج؛ في سنوات عجاف كللتها "الانتفاضات" والتأميم والفشل الذريع.
وفي مايو 1990، سِيقَت حضرموت مع دولة الجنوب إلى وحدة مع شعب نختلف معه مذهباً، وثقافة، وسلوكاً، فكانت تلك هي النكبة الثانية. وجاء ذلك حينما شاهد قادة الحزب الاشتراكي اليمني ما حلّ بالزعيم الروماني "نيكولاي تشاوشيسكو" وتهاوي الأحزاب الشيوعية كحبات الدومينو؛ فخافوا على أنفسهم من مصير مشابه على يد شعب حكموه بالحديد والنار، فهرولوا نحو الوحدة لحماية أنفسهم.
لقد ضاعت حضرموت، وما زال أطراف الصراع في الشمال والجنوب متشبثين بها، رغبة في إبقائها تحت أجنحتهم وسيطرتهم لنفاد ثرواتها، واستغلال أهلها، ومحاولة طمس ثقافة وإرث شعب وصل صيته إلى أقاصي الأرض. إنهم يحاولون إزالة تاريخ ممتد لـ 3500 عام من الجهد الحضرمي الناصع في آسيا وإفريقيا وغيرهما.
ولو عدنا لتقييم كل مرحلة، لأصيب المقيّم بالقهر والغثيان على ضياع جيل يتخبط تائهاً بلا وجهة أو نقطة ضوء تنهي مأساة الضم القسري والبيع الخاسر.
اليوم، وبعد ستة عقود، لا نرى خيراً قادماً إلا بتوحيد الصف الحضرمي، ونبذ ثقافة "الأنا"، والاستشعار بأن الأمة الحضرمية تعاني برمتها، وأنه لا أفق للإصلاح والاستقرار إلا بعودة حضرموت إلى ما كانت عليه قبل النكبة الأولى عام 1967. إن المآسي وفقدان الخدمات ونهب الثروات ستظل قائمة ما دامت هذه الأحزاب تحكمنا كأدوات تضمن بقاء حضرموت خاضعة للفاسدين والنهابين.
وفي الختام:
هل يصحو الشعب في حضرموت بكل فئاته وينفض عن عقله غبار التشتت والتفرقة؟ وهل تتوحد الجهود لتكون الأرض الحضرمية همّنا الأول لإصلاحها وإعادة تاريخها وإبعادها عن الصراعات الضيقة؟
على أقل تقدير، ينبغي البدء بالحكم الذاتي الذي أقره "حلف حضرموت" وبذل جهوداً كبيرة لسنوات في إنجاز وثائقه، والضغط بالطرق السلمية لتنفيذه على الأرض، بمساعدة الأشقاء في المملكة العربية السعودية والمجتمع الدولي، ومد جسور التواصل مع صناع القرار الدولي من أبناء حضرموت المخلصين في الداخل والمهاجر، ورجال الأعمال؛ حتى يتحقق للشعب الحضرمي الانفراج الاقتصادي، والاجتماعي، والثقافي، والخدماتي، أو تظل حضرموت تندب حظها بسبب سوء تصرفات الحكام المخدوعين ممّن وُلّوا عليها.
هذا والله من وراء القصد وهو الهادي إلى سواء السبيل.