آخر تحديث :الجمعة-22 مايو 2026-10:05م

مشروع كهرباء لودر – مودية ، النموذج المثالي لوعي النخبة الجنوبية

الجمعة - 22 مايو 2026 - الساعة 09:09 م
عوض عميران

لطالما نظر كثير من الجنوبيين إلى تعثر مشاريع الخدمات الأساسية بوصفه انعكاسًا لهيمنة سلطات الشمال على القرار السياسي والإداري، وبُنيت حول ذلك سردية واسعة ترى أن الأزمات تُدار من صنعاء كأحد أساليب الإخضاع والسيطرة. وربما وجدت هذه الرواية آذانًا صاغية في مرحلة ما قبل 2015، خصوصًا مع وجود معسكرات الحرس الجمهوري في محيط مديريتي لودر ومودية.

لكن بعد رحيل تلك القوات، واستبعاد كل ما هو شمالي من إدارة الشأن المحلي، سواء على مستوى المديريتين أو حتى على مستوى المحافظات المحررة عمومًا، يصبح من المشروع طرح سؤال أكثر واقعية وجرأة: من المسؤول اليوم عن الفوضى التي تُدار بها الخدمات الأساسية، وفي مقدمتها الكهرباء؟ هل ما زال “الفاعل” مجهولًا؟ أم أن البعض يفضل استمرار عقلية الهروب إلى الأمام عبر تعليق الأزمات المحلية على شماعة الماضي، بدل مواجهة الاختلالات الحقيقية داخل بنية الإدارة المحلية نفسها؟

إن السلوك الوطني المسؤول يقتضي الابتعاد عن منطق الاستئثار المناطقي، خصوصًا في المشاريع التي قامت أساسًا على مبدأ الشراكة المجتمعية. فمشروع كهرباء لودر – مودية لم يكن منحة خاصة بطرف دون آخر، بل مشروع ساهم المواطنون في المديريتين بتمويله، حيث دفعت الأسر مساهمات مالية بلغت خمسين دينارا عن كل منزل. ولذلك، فإن أي تعديلات أو ترتيبات إدارية لاحقة لا تنزع عن المشروع صفته كشراكة مجتمعية حقيقية، لا يجوز لأي طرف الاستئثار بها على حساب الشركاء الآخرين.

فالكهرباء والمياه والخدمات الأساسية ليست امتيازات تُمنح وفق ميزان الولاءات والانتماءات، بل حقوق إنسانية تتعلق بكرامة الناس وحياتهم اليومية. وعندما تتحول الخدمات إلى أدوات شدّ سياسي أو مناطقي، فإن المجتمع كله يدفع الثمن، ويتآكل ما تبقى من الثقة بين أبنائه.

إن أخطر ما يمكن أن تصنعه المجتمعات الخارجة من الصراعات هو تحويل المظلومية إلى مبرر أخلاقي لإنتاج مظالم جديدة. فالقضية العادلة لا تصبح أكثر عدالة حين تُدار بعقلية الاستحواذ، بل تفقد قيمتها الأخلاقية تدريجيًا عندما يتحول بعض حامليها إلى نسخة أخرى من الممارسات التي كانوا يرفضونها بالأمس. ولهذا، فإن حماية الحقوق لا تكون بإقصاء الشركاء أو احتكار المشاريع العامة، وإنما ببناء نموذج عادل يشعر فيه الجميع بأن المواطنة فوق الانتماءات الضيقة، وأن معاناة الناس لا ينبغي أن تُستخدم وقودًا للصراعات المحلية.

غير أن ما يثير القلق اليوم هو الخشية من وجود ممارسات تُنتج احتقانًا اجتماعيًا متراكمًا، قد يقود إلى تشريخ ما تبقى من تماسك المجتمع الدثني، في وقت تبدو فيه المنطقة بأمسّ الحاجة إلى توحيد الصفوف، وتعزيز دور المصلحين الاجتماعيين في احتواء الأزمات ونزع أسباب الانقسام.

إن الأولوية اليوم ينبغي أن تتجه نحو خدمة الناس، وتلمس احتياجات المواطنين، والسعي لمعالجة مشكلات الفقر والبطالة عبر تفعيل دور المجتمع المدني والتواصل مع الجهات المعنية، بدل الانشغال بإنتاج خصومات جديدة داخل مجتمع أنهكته الأزمات.

وفي هذا السياق، تبرز الحاجة إلى تعزيز روح الأخوة والمحبة والإيثار، وتشارك أعباء المعاناة، حتى يقضي الله أمرًا كان مفعولًا.