آخر تحديث :السبت-23 مايو 2026-01:48ص

أعراس بلا هوية.. كيف قتلت فرق “الأسماء” هيبة الفن اليمني الأصيل؟

السبت - 23 مايو 2026 - الساعة 12:16 ص
موسى المليكي

في الماضي، كانت الأعراس اليمنية مساحة حقيقية للفرح الراقي، ومناسبة تُسمَع فيها الأغاني التي تحمل المعنى والذوق والهوية. كان الناس يفرحون على أنغام الفن اليمني الأصيل، وتتعالى أصوات العمالقة الذين صنعوا ذاكرة كاملة لا تزال تعيش في قلوب اليمنيين حتى اليوم. كانت الأغنية جزءًا من هيبة المناسبة، تعكس رقي المجتمع وتحترم أذن الحاضرين، وتمنح العرس طابعًا خالدًا لا يُنسى.


أما اليوم، فقد تغيّر المشهد بشكل مؤلم. تحولت كثير من الأعراس إلى ساحة صاخبة تفتقد لأبسط معايير الفن الحقيقي، وأصبحت بعض الفرق الغنائية تعتمد على تكرار أسماء الأشخاص بطريقة مبالغ فيها، حتى اختفت الأغنية نفسها خلف الضجيج والتصفيق المصطنع. تسمع لساعات طويلة كلمات فارغة لا تحمل معنى ولا إحساسًا، فقط ترديد للأسماء والمديح المؤقت، وكأن الفن اختُزل في “من يذكر الاسم أكثر” أو “من يرفع صوته أعلى”.

وهنا تكمن الكارثة الحقيقية.


الفن ليس صراخًا، وليس وسيلة للتكسب السريع على حساب الذوق العام، وليس حفلة مجاملات تُفصَّل لأشخاص وتنتهي قيمتها بانتهاء الليلة. الفن الحقيقي يعيش لعقود لأنه يلامس الروح، أما الأغاني التي تُصنع فقط لإرضاء الحاضرين وذكر أسمائهم فهي تموت في اللحظة نفسها، ولا يبقى منها أي أثر سوى الضجيج.


للأسف، هناك جيل كامل بدأ يبتعد عن الأغنية اليمنية الأصيلة، لا لأنه لا يحبها، بل لأنه لم يعد يسمعها في المناسبات كما كان يحدث قديمًا. أصبح التراث الفني العظيم غائبًا عن كثير من الأعراس، وحلّت مكانه موجة من الأغاني السطحية التي لا تحمل أي قيمة فنية أو ثقافية. وهذا التغيير لم يؤثر على الذوق فقط، بل أثّر على هوية المجتمع نفسه.


عندما نستمع إلى أعمال الفنان الكبير أيوب طارش ندرك فورًا الفرق الهائل بين الفن الذي يُصنع من القلب، والفن الذي يُصنع من أجل المال والضجيج. أغاني أيوب طارش لم تكن مجرد ألحان للرقص أو التسلية العابرة، بل كانت تحمل رسالة وإحساسًا وكلمات محترمة تعبّر عن الإنسان والوطن والحب والجمال. لهذا السبب بقيت أعماله حيّة في وجدان اليمنيين، وما زالت تُسمَع حتى اليوم بكل فخر واحترام.


وكذلك الحال مع كبار الفنانين اليمنيين القدامى الذين صنعوا تاريخًا فنيًا نفتخر به. كانوا يقدّمون فنًا حقيقيًا يحترم المستمع ويضيف قيمة للمناسبة. الأغنية لديهم كانت مدرسة كاملة في الكلمة واللحن والأداء، وليست مجرد وسيلة لإثارة الحماس اللحظي. ولهذا بقيت أعمالهم خالدة، بينما تختفي معظم الأغاني الحديثة فور انتهاء العرس، وكأنها لم تكن موجودة أصلًا.


المؤلم أن بعض الناس أصبحوا يعتبرون الأغاني التراثية والفن الأصيل شيئًا “قديمًا” لا يناسب الأعراس الحديثة، بينما الحقيقة أن الفن الراقي لا يشيخ أبدًا. الأغنية الجميلة تبقى جميلة مهما مر الزمن، لأنها تعتمد على الجودة والإحساس، لا على الصخب المؤقت. ومن المؤسف أن نرى بعض الأعراس اليوم تتحول إلى سباق في الضوضاء بدل أن تكون مناسبة تُعبّر عن الذوق والفرح الحقيقي.


إن ترديد أسماء الأشخاص داخل الأغاني بشكل مبالغ فيه لا يمنح المناسبة قيمة، بل يفقدها هيبتها تدريجيًا.


فالضيف لا يأتي ليسمع اسم شخص يُكرر عشرات المرات، بل يأتي ليعيش أجواء جميلة ويستمتع بفن يليق بالمناسبة. وحتى أصحاب الأعراس أنفسهم، بعد سنوات، لن يتذكروا تلك الأغاني المؤقتة، بينما ستبقى الأغاني الأصيلة محفورة في ذاكرتهم لأنها مرتبطة بمشاعر حقيقية.


الأخطر من ذلك أن هذا النوع من الأغاني يقتل الإبداع الحقيقي لدى الفنانين الشباب. فبدل أن يسعوا لتقديم أعمال تحمل قيمة فنية وتحترم التراث، أصبح البعض يبحث فقط عن الطريقة الأسرع لجذب الجمهور وتحقيق المال، ولو كان ذلك على حساب الفن نفسه. وهكذا نخسر تدريجيًا هوية الأغنية اليمنية التي كانت يومًا من أجمل الفنون العربية وأكثرها تميزًا.


المجتمع بحاجة اليوم إلى مراجعة حقيقية لما يحدث داخل الأعراس والمناسبات. ليس كل ما يثير الضجيج يُعتبر فنًا، وليس كل ما ينتشر يُعتبر نجاحًا. النجاح الحقيقي هو أن تخرج الأغنية من المناسبة وتبقى في ذاكرة الناس لسنوات طويلة، كما بقيت أغاني أيوب طارش وغيرها من أعمال الفنانين الكبار التي ما زالت حتى اليوم تُشعر اليمنيين بالفخر والانتماء.

نحن لا نرفض الفرح، ولا نرفض التجديد، لكن التجديد الحقيقي لا يكون بإلغاء التراث وتشويه الذوق العام. بل يكون بالحفاظ على الفن الأصيل وتقديمه بصورة تليق بالعصر، دون أن نفقد هويتنا وقيمتنا الفنية. لأن الشعوب التي تتخلى عن فنها الحقيقي، تتخلى تدريجيًا عن جزء كبير من ذاكرتها وثقافتها.

الأعراس اليمنية تستحق أن تعود كما كانت؛ مناسبات تحمل الجمال والرقي والاحترام، لا مجرد حفلات صاخبة تُنسى في اليوم التالي. ويستحق الجيل الجديد أن يسمع الأغنية اليمنية الحقيقية، لا أن ينشأ على فن مؤقت بلا معنى ولا روح.

ويبقى السؤال المهم:

هل نريد أعراسًا مليئة بالضجيج المؤقت؟

أم نريد فنًا يليق بتاريخ اليمن وذوق شعبه ويعيش في الذاكرة لعشرات السنين؟