(في نقد العجز الرسمي أمام القضايا التي تهزّ الضمير العام).
ليست كلُّ الجرائم سواء.
أجل : ليست كل الجرائم سواء ؟؟؟؟!!!!
فهناك جرائم تُرتكب في حقّ الأفراد، ثمّة جرائم تُرتكب في حقّ المجتمعات، وهناك جرائم—هي الأشدُّ فداحة—تُرتكب في حقّ الضمير الإنساني ذاته، حين تُنتهك براءة طفل، ثم يُراد للصمت أن يكون ستارًا، وللنفوذ أن يكون حصنًا، وللعدالة أن تُؤجَّل… أو تُدفن.
ما يُتداول من أنباءٍ صادمة حول تعرّض طفلٍ صغير—هو نجل أحد شهداء عدن—لانتهاكٍ مروّع، إن صحّت هذه الادعاءات، لا يمثّل مجرد حادثة جنائية عابرة، بل زلزالًا أخلاقيًا يهزّ ما تبقّى من ثقة الناس بمؤسساتٍ يُفترض أنها وُجدت لحماية الضعفاء، لا لتعميق ضعفهم.
لكنّ الفاجعة لا تقف عند حدود الجريمة نفسها..
فالجريمة مهما بلغت بشاعتها، قد تجد لها في القانون عقابًا، وفي العدالة إنصافًا.
أما حين يخيّم الصمت الرسمي، وتغيب الكلمات حيث يجب أن تُقال، وتتوارى المواقف حيث ينبغي أن تُعلن، فإننا نكون أمام مأساةٍ مضاعفة: جريمةٌ أولى بحقّ الطفل، وجريمةٌ ثانية بحقّ الحقيقة
أيّها السادة في مواقع القرار…
ليس المطلوب منكم أن تبكوا معنا.
ولا أن تُصدروا بياناتٍ منمّقة تتحدّث عن “متابعة الموضوع باهتمام بالغ”.
وليس المطلوب أن تمارسوا طقوس الإنكار المعتادة، أو أن تدفنوا القضية تحت ركام اللجان والتسويف...
المطلوب أبسط من ذلك، وأثقل:
أن تحكموا بالعدل ، أن تُثبتوا للناس أن الدولة ما تزال قادرة على حماية أضعف أبنائها.
أن تقولوا بوضوح إن كرامة الطفل ليست ملفًا قابلاً للتفاوض، ولا قضيةً يمكن أن تُوزن بحسابات النفوذ والولاءات.
أيُّ مدينةٍ هذه التي قد تصمت إذا ارتجفت طفولتها؟
وأيُّ سلطةٍ هذه التي لا تهتزّ إذا اهتزّت مشاعر الناس غضبًا ووجعًا؟
عدن : التي دفعت من دماء أبنائها ما يكفي لتستحقّ وطنًا آمنًا، لا يجوز أن تُبتلى اليوم بخوفٍ جديد:
خوفٍ من أن تتحوّل العدالة إلى امتياز، وأن يصبح القانون بابًا لا يُفتح إلا للضعفاء.
إنّ السخرية المُرّة في المشهد... أن المواطن بات يطلب من السلطة ما كان يظنّه بديهيًا:
أن تُدين الشر..
أن تحمي الطفل ...
أن تنتصر للضحية...
أن لا تصمت....
فهل أصبح العدل رفاهية؟
وهل صار القصاص مطلبًا مبالغًا فيه؟
وهل تحوّلت براءة الأطفال إلى تفصيلٍ صغيرٍ في دفتر الحسابات السياسية؟
إنّ المجتمعات لا تسقط حين تقع فيها
الجرائم..... بل تسقط حين تعجز عن الغضب لها،
وحين يصبح الصمت الرسمي أكثر فزعًا من الجريمة نفسها.
ويبقى السؤال الذي يردّده الناس بمرارة: أين صوت محافظ عدن؟
أين موقفه الذي يُعوَّل عليه في نصرة المظلوم، وإقامة العدل، وهو الذي يرفع لواء الشريعة الغرّاء، وينحدر من بيئةٍ عُرفت بالتديّن واستشعار المسؤولية أمام الله قبل الناس؟
أليس من حقّ المجتمع أن يسمع منه كلمةً واضحة؟
أليس من واجبه أن يخرج إلى الناس بموقفٍ صريح، أو بمؤتمرٍ صحافي يبدّد القلق، ويجيب عن الأسئلة التي تتكاثر في صدور المواطنين أكثر مما تتكاثر البيانات الصامتة في أدراج المسؤولين؟
إنّ الصمت في مثل هذه اللحظات، لا يُقرأ حيادًا… بل يُقرأ موقفًا.
والتأخّر في قول الحق، حين يكون الناس في أمسّ الحاجة إليه، قد يتحوّل—ولو بغير قصد—إلى صورةٍ أخرى من صور الخذلان.
فهل أعطى ضميره إجازةً مؤقتة، أسوةً بكثيرٍ من المسؤولين الذين أتقنوا فنّ الغياب عند حضور الواجب؟
أم أنّنا ما زلنا ننتظر منه موقفًا يُعيد إلى الناس شيئًا من الثقة، ويؤكّد أنّ في هذا الوطن من لا يزال يرى في السلطة تكليفًا لا تشريفًا، ومسؤوليةً لا صمتًا، وواجبًا لا مجرّد منصب؟
إنّ عدن اليوم لا تحتاج إلى مزيدٍ من الصمت…
بل إلى صوتٍ عادل، شجاع، يقول للناس بوضوح: إنّ كرامة أبنائكم ليست مباحة، وإنّ العدالة لن تغيب ما دمنا في مواقع المسؤولية.