آخر تحديث :السبت-23 مايو 2026-11:04ص

رحلة البحث عن السلام الدائم: كيف تبني "العدالة الانتقالية" جسور المستقبل فوق حطام الصراعات؟

السبت - 23 مايو 2026 - الساعة 06:51 ص
منصور بلعيدي

لا يمكن لمجتمع عانى من ويلات الظلم والنزاعات أن يقفز مباشرة إلى ضفة الاستقرار دون أن يلتفت إلى الوراء؛ فالماضي غير المعالَج يظل لغماً موقوتاً يهدد أي محاولة للبناء.

من هنا، تبرز "العدالة الانتقالية" كخيار استراتيجي وضرورة ملحة لنقل المجتمعات من ضيق الصراعات والانتهاكات إلى رحاب السلام المستدام.


وفي هذا السياق، نرى أن العدالة الانتقالية تمثل "آلية متكاملة للعبور بالمجتمعات من ضفاف الظلم والنزاع إلى واحة السلام والاستقرار".


فأن الميزة الأساسية لهذه العدالة هي أنها "لا تطمس الماضي ولا تدعو لنسيانه، بل تواجهه بشجاعة لضمان إعطاء الحقوق لأصحابها وإرساء قواعد إنصاف حقيقية".


إن الهدف الأسمى للعدالة الانتقالية ليس الانتقام، بل تأمين مستقبل أفضل للأجيال القادمة، مستقبل يتنفس فيه الجميع الحرية بلا خوف، ويستظلون بالعدالة بلا ظلم. ولتحقيق هذه الغاية، ترتكز العدالة الانتقالية على أربع ركائز أساسية لا يمكن التنازل عن أي منها:

*أولاً: كشف الحقيقة:*

لا يمكن مداواة جرح لا نعرف عمقه. تبدأ العملية بفتح الصناديق السوداء للمراحل السابقة، وتوثيق الانتهاكات، ومعرفة مصير المفقودين، والاعتراف العلني بما حدث ليكون التاريخ شاهداً وضامناً لعدم التكرار.

*ثانياً: المحاسبة:*

إن غياب المساءلة يكرس ثقافة "الإفلات من العقاب". المحاسبة تعني خضوع المتورطين في الانتهاكات للقانون، وهي خطوة أساسية لإعادة الثقة في قيم العدالة والدولة.

*ثالثاً: جبر الضرر:*

تركز هذه الركيزة على الضحايا بشكل مباشر، من خلال تقديم تعويضات مادية ومعنوية، وإعادة الاعتبار لهم، وتوفير الرعاية النفسية والصحية، مما يساهم في إطفاء نار الغبن وتحقيق المصالحة المجتمعية.

*رابعاً: إصلاح المؤسسات والقوانين:*

لمنع عودة الاستبداد، تشمل العدالة الانتقالية غربلة وتطهير المؤسسات الأمنية والقضائية، وتعديل القوانين لضمان حماية حقوق الإنسان، وتحويل الأجهزة التي كانت أدوات للقمع إلى حصون لحماية المواطن.


إن العدالة الانتقالية ليست ترفاً فكرياً، بل هي الجسر الوحيد الآمن الذي يضمن للمجتمعات المأزومة الخروج من نفق الماضي المظلم، لتبدأ صياغة عقد اجتماعي جديد، أساسه الحقيقة، وعماده المحاسبة، وسقفه دولة النظام والقانون.