آخر تحديث :السبت-23 مايو 2026-05:26م

الثاني والعشرين من مايو وحدة وطن لا ينكسر.

السبت - 23 مايو 2026 - الساعة 04:36 م
علي الروحاني

في الثاني والعشرين من مايو، لا يستعيد اليمنيون ذكرى يومٍ عابر، بل يعودون إلى لحظةٍ تاريخية التقت فيها الأرواح قبل الحدود، وتعانقت فيها القلوب قبل الأيادي، ليولد الوطن اليمني الواحد تحت راية الجمهورية اليمنية، وطنًا موحدًا جمع أبناءه بعد سنواتٍ من التشطير والانقسام، وأعاد لليمن صوته الجامع وهويته الواحدة.

لقد جاءت الوحدة اليمنية عام 1990 كأعظم مشروع وطني اندماجي في التاريخ اليمني الحديث، مشروعًا أذاب الفوارق الضيقة، وأسقط معاني الفرقة والعنصرية، لتشرق شمس وطنٍ واحدٍ يتسع للجميع، ويصبح فيه اليمنيون جسدًا واحدًا وروحًا نابضة بالأمل والانتماء والسيادة.

ومنذ ذلك اليوم الخالد، أصبحت الوحدة اليمنية رمزًا للقوة والكرامة الوطنية، ومكتسبًا تاريخيًا خالدًا يسكن وجدان الشعب اليمني، لأنها لم تكن مجرد اتفاق سياسي، بل حلم أمةٍ استعادت ذاتها، وأغلقت أبواب الانقسام، ورفعت راية الوطن عاليًا بالعزة والكبرياء.

إن مبدأ الوحدة اليمنية سقته مياه السماء، ورعته عناية الله، حتى غدت كشجرةٍ طيبةٍ أصلها ثابت وفرعها في السماء، تضرب جذورها في عمق التاريخ، وتستظل بها قلوب اليمنيين جيلاً بعد جيل، إنها وحدة خرجت من رحم الوفاء والانتماء، وحمل رايتها رجالٌ من نسلٍ كريم، أبناء قحطان ونسل عدنان، أولئك اليمانيون الذين كانوا دومًا أهل حكمةٍ وكرامة، وأوفياء لدينهم ووطنهم، يحملون في قلوبهم معنى الأرض والهوية والإنسان.

لقد شكّل الثاني والعشرون من مايو آنذاك نموذجًا عربيًا فريدًا، حظي بترحيب واسع من القادة والزعماء العرب الذين رأوا في وحدة اليمن انتصارًا للإرادة العربية ولمبدأ جمع الصف ولمّ الشمل.

فقد بارك خادم الحرمين الشريفين الملك فهد بن عبدالعزيز – رحمه الله – قيام الوحدة اليمنية، مؤكدًا حرص المملكة العربية السعودية على أمن اليمن واستقراره ووحدته، فيما وصف أمير دولة الكويت الراحل الشيخ جابر الأحمد الصباح الوحدة بأنها خطوة مباركة تصب في مصلحة الأمة العربية وتعزز التضامن بين شعوبها.

وفي ليبيا، عبّر الزعيم الليبي الراحل معمر القذافي عن سعادته بقيام الوحدة اليمنية، معتبرًا إياها خطوة تاريخية تعيد إحياء الحلم القومي العربي، وداعيًا إلى تجاوز الانقسامات العربية والاقتداء بالتجربة اليمنية في الوحدة والتقارب.

أما الرئيس العراقي الراحل صدام حسين، فقد أكد في برقية تهنئته أن “وحدة اليمن إنجاز عظيم للأمة العربية كلها”، معتبرًا أن ما تحقق يمثل نموذجًا عربيًا نادرًا في زمن التشتت والانقسام.

وفي مصر، رحّب الرئيس الراحل محمد حسني مبارك بقيام الوحدة اليمنية، مؤكدًا أن “اليمن الموحد يمثل دعامة مهمة للأمن القومي العربي”، وأن وحدة الشعب اليمني تعكس إرادة عربية صادقة في تعزيز الاستقرار ولمّ الشمل العربي.

وقد توالت حينها بيانات التأييد والمباركة من مختلف العواصم العربية، التي رأت في الوحدة اليمنية بارقة أملٍ جديدة للأمة العربية، وانتصارًا لصوت الحكمة والتاريخ على الفرقة والتجزئة.

كما سعت المملكة العربية السعودية، ولا تزال، إلى دعم وحدة الشعب اليمني والحفاظ على تماسكه الوطني، انطلاقًا من دورٍ أخويٍ صادق يجسد معاني الوفاء والإخاء، ويعكس مبادئ راسخة تقوم على دعم أمن اليمن واستقراره ووحدة أراضيه، وقد ظل الموقف السعودي حاضرًا في مختلف المراحل، إيمانًا بأن قوة اليمن واستقراره تمثل عمقًا استراتيجيًا وأخويًا للمنطقة بأسرها، وأن الحفاظ على وحدة اليمن هو حفاظ على الهوية العربية المشتركة وروابط الدم والجوار والمصير الواحد.

ورغم ما واجهه اليمن لاحقًا من تحدياتٍ ومؤامرات، بقيت الوحدة راسخة في ضمير اليمنيين، مهما سعت المليشيات الحوثية بمشروعها الطائفي الإرهابي إلى تمزيق النسيج الوطني، خدمةً لأجنداتٍ خارجية ومشروعٍ فارسيٍ دخيل، تحوّل إلى خنجرٍ مسموم في خاصرة الشعب اليمني، يسعى لإحياء الانقسام وإضعاف الهوية الوطنية الجامعة.

غير أن اليمنيين، الذين صنعوا وحدتهم بإرادة التاريخ ودماء التضحيات، يدركون أن الأوطان لا تُهزم ما دام في أبنائها إيمانٌ راسخ بوحدتهم، ولذلك ستظل الوحدة اليمنية أقوى من كل مشاريع التمزق، لأنها وُلدت من وجدان شعبٍ عريق، جذوره ضاربة في عمق التاريخ.

سيظل الثاني والعشرون من مايو يومًا خالدًا في ذاكرة الأجيال، يومًا استعاد فيه اليمن نبضه الحقيقي، وتوحد فيه الشعب تحت راية وطنٍ لا يقبل القسمة، وطنٍ سيبقى شامخًا بوحدته، قويًا بأبنائه، وعصيًا على كل مشاريع الخراب والانقسام.