آخر تحديث :السبت-13 يونيو 2026-04:29ص

اتفاق الضرورة لا اتفاق الثقة .. كيف تحاول واشنطن وطهران رسم ملامح شرق أوسط جديد؟

الجمعة - 12 يونيو 2026 - الساعة 10:32 م
محمد خالد الحسيني



بين الحرب والتفاهم، ماذا يجري فعلاً بين واشنطن وطهران؟ وهل يقترب الشرق الأوسط من تسوية كبرى؟

ترامب يتراجع وإيران تناور، ماذا يحدث خلف أبواب التفاوض السرية، في حرب لم تنتهِ، واتفاق يبدو أنه لم يولد بعد.

تعيش المنطقة واحدة من أكثر لحظاتها تعقيداً منذ سنوات، في ظل تداخل الحرب والدبلوماسية والتصعيد العسكري مع المفاوضات السياسية.

فبينما تتحدث التسريبات عن اقتراب التوصل إلى مذكرة تفاهم بين إيران والولايات المتحدة، تتواصل الضربات العسكرية والتصريحات المتشددة من مختلف الأطراف، ما يثير تساؤلات جوهرية حول حقيقة ما يجري خلف الكواليس: هل نحن أمام نهاية مرحلة من الصراع أم مجرد هدنة مؤقتة تسبق جولة جديدة من المواجهة؟

لماذا يهدد ترامب ثم يتراجع؟

أحد أكثر المشاهد إثارة للانتباه في هذه الحرب، هو انتقال الرئيس الأمريكي دونالد ترامب خلال ساعات من التهديد بضرب إيران إلى الحديث عن اتفاق وشيك لإنهاء الحرب.

هذا التناقض الظاهري لا يعكس بالضرورة ارتباكاً في الموقف الأمريكي، بل قد يكون جزءاً من استراتيجية تفاوضية تقوم على مبدأ الضغط الأقصى ثم فتح باب التسوية. فواشنطن تدرك أن القوة العسكرية تمنحها أوراق ضغط مهمة، لكنها تدرك في الوقت نفسه أن الحرب المفتوحة مع إيران تحمل كلفة سياسية واقتصادية وأمنية هائلة على الولايات المتحدة وحلفائها وعلى الاقتصاد العالمي بأسره.

ومن هنا يمكن فهم الرسائل الأمريكية المتناقضة باعتبارها محاولة لدفع طهران نحو تقديم تنازلات سياسية دون الاضطرار إلى خوض مواجهة شاملة لا يرغب بها أي من الطرفين.

إذن ماذا تريد الولايات المتحدة بالظبط؟ تبدو الأولوية الأمريكية الحالية هي تثبيت الاستقرار الإقليمي ومنع توسع الحرب إلى مستويات تهدد مصالحها الاستراتيجية في المنطقة.

وتملك واشنطن عدة أوراق ضغط رئيسية:

العقوبات الاقتصادية والمالية، والسيطرة على جزء كبير من النظام المالي العالمي، والنفوذ العسكري الواسع في المنطقة، والقدرة على التأثير في الأسواق النفطية.

بالإظافة إلى الدعم السياسي والعسكري لإسرائيل، والقدرة على حشد تحالفات دولية وإقليمية واسعة.

لكن هذه الأوراق، رغم قوتها، لم تنجح حتى الآن في فرض استسلام إيراني كامل أو فرض الشروط القصوى التي تطالب بها بعض الأطراف داخل إسرائيل.

وماذا تملك إيران إذن، من أوراق أمام كل هذا الظغط؟

لا تدخل إيران المفاوضات من موقع الضعف الكامل كما يصورها خصومها، فطهران ما زالت تمتلك أوراقاً مهمة تجعل تجاهلها أمراً صعباً:

الموقع الجغرافي الاستراتيجي المطل على مضيق هرمز، وشبكة واسعة من الحلفاء والقوى المتحالفة معها في المنطقة، وبرنامج نووي متقدم يمثل ورقة تفاوضية رئيسية.

بالإظافة إلى قدرات صاروخية ومسيّرات، أثبتت فاعليتها خلال السنوات الأخيرة، والقدرة على التأثير في أمن الملاحة والطاقة العالمية.

ولهذا السبب تصر إيران على أن يكون أي اتفاق قائماً على مبدأ التفاوض المتبادل وليس الإملاءات الأحادية.

وتكشف التسريبات الإيرانية أن طهران تعتبر ملف مضيق هرمز خطاً أحمر غير قابل للتفاوض.

فالقيادة الإيرانية تنظر إلى المضيق باعتباره جزءاً من سيادتها وأحد أهم مصادر قوتها الاستراتيجية.

ولذلك حرصت التسريبات على التأكيد أن أي تفاهم محتمل لن يتضمن نقل إدارة المضيق أو منح الولايات المتحدة دوراً في مستقبله.

وفي الواقع، لا يتعلق الأمر بالملاحة البحرية فقط، بل بموازين القوة الإقليمية، فالمضيق يمثل أحد أهم شرايين الطاقة العالمية، وأي تغيير في وضعه ينعكس مباشرة على الاقتصاد الدولي وعلى النفوذ الإيراني في المنطقة.

لماذا تم تأجيل الملف النووي على الرغم من أمريكا منذ بداية المفاوضات تصر على ألا يكون هناك اتفاق يستبعد النووي الإيراني ؟

اللافت في التسريبات الإيرانية أن الملف النووي، وهو أصل الأزمة بين الطرفين، تم ترحيله إلى مفاوضات منفصلة خلال مهلة ستين يوماً.

هذا التأجيل يعكس حجم التعقيد المحيط بالملف، فالخلافات لا تقتصر على التخصيب أو أجهزة الطرد المركزي، بل تشمل، مستوى التخصيب المسموح به، وحجم المخزون النووي، وآليات الرقابة الدولية، والعقوبات الأمريكية، والتعويضات الاقتصادية، والضمانات المستقبلية لعدم انهيار أي اتفاق جديد.

ولهذا يبدو أن الطرفين فضّلا أولاً وقف التصعيد العسكري وفتح الطريق أمام تفاوض أطول وأكثر تعقيداً حول القضايا الجوهرية.

لبنان في قلب المفاوضات

ربما يكون الملف اللبناني أكثر الملفات حساسية في المرحلة الحالية، فالتسريبات الإيرانية تؤكد أن إنهاء الحرب في لبنان جزء من أي تفاهم محتمل، بينما ترى إسرائيل أن أي تسوية يجب أن تترافق مع إضعاف حزب الله وتقليص قدراته العسكرية.

أما الدولة اللبنانية فتسعى إلى استعادة قرارها السيادي ومنع تحويل لبنان مجدداً إلى ساحة صراع إقليمي.

وهنا تظهر المعضلة الحقيقية .. فكل طرف ينظر إلى لبنان من زاوية مختلفة تماماً .. إيران تعتبره ورقة استراتيجية مهمة في ميزان الردع الإقليمي، وإسرائيل تنظر إليه باعتباره مصدر تهديد أمني مستمر، أما اللبنانيون فيرون أن استمرار الحرب يهدد استقرار الدولة ومستقبل مئات الآلاف من النازحين.

لهذا السبب قد يكون الملف اللبناني أحد أصعب الملفات التي ستواجه أي اتفاق مستقبلي.

فهل تمثل المسودة الحالية الحل السحري المنتظر؟

رغم الأجواء الإيجابية التي تحيط بالمفاوضات، فإن وصف المسودة الحالية بأنها الحل السحري يبدو مبالغاً فيه.

فما يتم تداوله حتى الآن أقرب إلى إطار سياسي لوقف الحرب وتهيئة الظروف لمفاوضات أوسع، وليس إلى اتفاق نهائي يحل جميع الخلافات المتراكمة منذ عقود.

فالملفات الأكثر حساسية ما زالت مؤجلة، وعلى رأسها: البرنامج النووي، والعقوبات الأمريكية، ومستقبل النفوذ الإقليمي الإيراني، وأمن إسرائيل، بالإظافة إلى وضع حزب الله، وترتيبات الأمن البحري في الخليج.

وبالتالي فإن النجاح الحقيقي لن يُقاس بتوقيع المذكرة نفسها، بل بقدرة الأطراف على تنفيذ ما بعدها.

فما هي العقبات التي من الممكن أن تعرقل الاتفاق؟

رغم التقدم الظاهر، لا تزال هناك عقبات كبيرة قد تعرقل التفاهم: أولاً، فجوة الثقة العميقة بين واشنطن وطهران.

ثانياً، الموقف الإسرائيلي الذي يطالب بشروط أشد صرامة تجاه البرنامج النووي الإيراني.

ثالثاً، الخلافات حول مستقبل حزب الله والجبهات الإقليمية.

رابعاً، آليات رفع العقوبات والضمانات المطلوبة من إيران.

خامساً، احتمال وقوع أي حادث عسكري مفاجئ يعيد التصعيد إلى نقطة الصفر.

فإلى أين تتجه المنطقة؟

السيناريو الأكثر ترجيحاً حالياً هو نجاح الأطراف في التوصل إلى تفاهم مؤقت يوقف الحرب ويمنع الانزلاق إلى مواجهة إقليمية شاملة، مع فتح باب مفاوضات طويلة حول الملفات الأكثر تعقيداً.

أما سيناريو الاتفاق الشامل والسريع فيبدو أقل احتمالاً، نظراً لتضارب المصالح وتشابك الملفات الإقليمية.

وفي المقابل، يبقى احتمال انهيار التفاهم قائماً إذا فشلت الأطراف في تجاوز خلافاتها أو إذا عاد التصعيد العسكري ليفرض نفسه على المشهد.

في المحصلة، تبدو المنطقة اليوم واقفة بين خيارين: إما استثمار اللحظة الدبلوماسية الحالية لبناء تسوية تدريجية، أو العودة إلى دوامة التصعيد التي أثبتت السنوات الماضية أنها لا تنتج غالباً سوى مزيد من الأزمات وعدم الاستقرار.

وبين هذين المسارين، تبقى الأيام المقبلة حاسمة في تحديد ما إذا كانت مذكرة التفاهم المرتقبة مجرد هدنة مؤقتة أم بداية تحول استراتيجي جديد في الشرق الأوسط.


محمد خالد الحسيني