جمھوریة الرقم المفقود: الریال استقر، والوقود وصل، لكن المواطن ما زال یدفع ثمن دولة لا
ترید كشف حسابھا
في عدن یقولون لنا إن الریال استقر. یقولون إن البنك المركزي تحرك. یقولون إن الحكومة بدأت إصلاحات مالیة. یقولون إن
الدعم السعودي الجدید للمشتقات النفطیة سیخفف أزمة الكھرباء. یقولون إن السوق سیھدأ، وإن المواطن یجب أن یصبر قلیلاً
لأن البلد خارج من حرب، والنفط متوقف، والدولة ضعیفة، والانقسام عمیق.
لكن السؤال الذي یجب أن یسبق كل تصفیق ھو: ماذا یعني أن یستقر الرقم إذا لم تستقر حیاة المواطن؟
ماذا یعني أن یثبت سعر الصرف إذا بقي الراتب لا یكفي أسبوعًا؟ ماذا یعني أن یصل الوقود إذا بقیت الكھرباء تعود ساعات ثم
تختفي كأنھا منحة موسمیة لا خدمة عامة؟ ماذا یعني أن تتحدث الحكومة عن ”استعادة موارد مھدرة“ ولا تقول للناس من
أھدرھا، وأین كانت، وكم قیمتھا، ومن سمح ببقائھا خارج الخزینة؟ وماذا یعني أن تطلب السلطة من المواطن الثقة بینما لا
تمنحھ أبسط حق في أي دولة محترمة: كشف حساب واضح؟
لذلك ھذه لیست أزمة اقتصاد فقط بل أزمة حكم. أزمة شرعیة. أزمة دولة ترید من المواطن أن یصدق بیاناتھا، لكنھا لا ترید أن
تضع أرقامھا أمامھ.
فالسلطة ترید أن نقیس النجاح من شاشة الصراف لكن المواطن یقیسھ من رف الدقیق، وقنینة الغاز، وفاتورة الدواء، وحرارة
البیت، وموعد الراتب، وعدد ساعات الكھرباء. الحكومة تقول: الریال لم ینھَر الیوم والمواطن یقول: وأنا انھرت أمس،
وسأنھار غدًا إذا بقي راتبي بلا قیمة، وخدماتي بلا ضمان، وأسعاري بلا رقابة.
ھنا تبدأ الحقیقة المحرجة: المشكلة لیست أن الدولة لا تملك شیئًا. المشكلة أن الدولة لا تقول للناس ماذا تملك، وماذا تجمع، وماذا
تفقد، ومن یمنع المال من الوصول، ومن یأخذ من الطریق، ومن یستھلك بلا دفع، ومن یوقع العقود، ومن یربح من بقاء الأزمة
مفتوحة.
الفساد في الیمن لم یعد لصًا یفتح خزنة لیلا.ً الفساد أصبح نظامًا كاملاً یلتھم قیمة الراتب دون أن یلمس جیب الموظف مباشرة.
یلتھمھا عندما ترتفع الأسعار ولا تنخفض مع استقرار الصرف. یلتھمھا عندما تضیع الإیرادات بین محافظة ومؤسسة وصرافة
وحساب جانبي. یلتھمھا عندما تدخل شحنة الوقود ولا یعرف الناس كم أنتجت. یلتھمھا عندما تضیع الكھرباء في فاقد فني
وتجاري، ثم یطلبون من المواطن أن یدفع أكثر مقابل ظلام أكثر. یلتھمھا عندما ترفع الحكومة شعار الإصلاح، لكنھا لا تنشر
أسماء الجھات التي لا تورد، ولا الجھات الحكومیة التي لا تدفع، ولا العقود التي تبتلع المال.
لذلك لا یجب أن نحتفل باستقرار الریال قبل أن نسأل: من ابتلع أثر استقرار الریال قبل أن یصل إلى السوق؟
ولا یجب أن نصفق لمنحة الوقود قبل أن نسأل: ھل ستدخل المنحة إلى محطة كھرباء، أم إلى ماكینة فشل قدیمة تبتلع الوقود ثم
تطلب منحة جدیدة؟
ولا یجب أن نصدق حدیث ”الموارد المھدرة“ قبل أن نسأل: من أھدرھا؟ من استفاد من بقائھا خارج البنك المركزي؟ ومن كان
مسؤولاً عندما ظل المواطن یدفع ثمن ھذا الھدر من راتبھ ودوائھ وكرامة بیتھ؟
أولا:ً المشكلة العلمیة الحقیقیة لیست نقص المال فقط، بل انقطاع دورة المال العام
أي اقتصاد دولة یقوم على دورة بسیطة: الدولة تجمع الإیرادات، تودعھا في خزینة واضحة، تستخدمھا لدفع الرواتب
والخدمات، ثم تعود ھذه الرواتب إلى السوق في شكل شراء واستھلاك وحركة تجاریة. عندما تنكسر ھذه الدورة، لا یتأخر
الراتب فقط، بل یضعف السوق كلھ. البقال یبیع أقل، النقل یتراجع، الدواء یصبح أغلى، المدارس تتعثر، والعملة تفقد الثقة.
في المناطق المحررة، الدورة لا تنكسر في نقطة واحدة. تنكسر في أكثر من مكان. النفط متوقف. بعض التجارة تحولت بعیدًا
عن موانئ الحكومة. التھریب یزید. بعض المحافظات أو الجھات تحتفظ بإیرادات أو لا توردھا كاملا.ً بعض المال العام یمر
عبر شركات صرافة أو حسابات خارج المسار الرسمي. الكھرباء تفقد جزءًا كبیرًا من إنتاجھا بین فاقد فني وتجاري وضعف
تحصیل. ثم یأتي المسؤول في النھایة لیقول للمواطن: لا توجد سیولة.
ھذه الجملة ناقصة. الصحیح أن نقول: لا توجد سیولة كافیة في الخزینة لأن الدولة لم تُحكم قبضتھا المالیة والرقابیة على كل ما
یُجمع باسمھا.
ھنا تتحول الأزمة من فقر إلى تفكیك مالي. والفارق كبیر فالفقر یعني أن المال قلیل وأما التفكیك المالي یعني أن المال قد یكون
موجودًا في أماكن متعددة، لكنھ لا یدخل في الدورة العامة للدولة. وھذا أخطر، لأن المواطن یُعاقَب مرتین: مرة بسبب نقص
الموارد الحقیقي، ومرة بسبب سوء إدارة الموارد المتبقیة.
ثانیًا: الحسابات الجانبیة لیست محاسبة... إنھا سیاسة ظل
الحساب الجانبي لیس دائمًا سرقة مباشرة بمفھوم القانون الجنائي. قد یبدأ كحساب تشغیل، أو حساب مشروع، أو حساب
مؤسسة، أو حساب محلي، أو حساب مؤقت في بنك تجاري، أو قناة عبر شركة صرافة. لكن في دولة منھكة مثل الیمن، أي
حساب حكومي خارج المسار المعلن للخزینة والبنك المركزي ووزارة المالیة یتحول بسرعة إلى منطقة رمادیة. والمنطقة
الرمادیة ھي المكان المفضل للفساد، لأن المال فیھا لا یختفي فجأة، بل یذوب ببطء في أوامر صرف، ومبررات تشغیل،
وتسویات محلیة، وعقود طارئة، وسحوبات نقدیة، ونفقات لا یراھا المواطن.
السؤال لیس: ھل كل من فتح حسابًا جانبیًا لص؟
السؤال الأذكى: لماذا یحتاج المال العام إلى حساب لا یراه الناس؟
إذا كان الحساب نظیفًا، فانشروه. إذا كان للتشغیل، فضعوا لھ سقفًا. إذا كان لمشروع، فاذكروا المانح والغرض والرصید. إذا
كان لمحافظة، فاذكروا الإیراد والحصة والمصروف، و إذا كان لمؤسسة، فاذكروا الدخل والمورد والتورید. أما أن یبقى
الحساب في الظل ثم یقال للموظف ”لا توجد سیولة“، فھذا لیس عجزًا فقط، بل إھانة لعقل المواطن.
فالحسابات الجانبیة لا تسرق المال فقط. بل تسرق قدرة الدولة على التخطیط لأن وزارة المالیة التي لا ترى كامل الإیراد لا
تستطیع إعداد موازنة حقیقیة أما البنك المركزي الذي لا تمر أمامھ أموال الدولة لا یستطیع إدارة السیولة والثقة وسعر
الصرف، ومجلس الوزراء الذي لا یعرف من یورد ومن لا یورد یتحول إلى مجلس بیانات، والمواطن الذي لا یرى الأرقام
یتحول غضبھ إلى شائعة بدل أن یتحول إلى محاسبة.
ومن ھنا نفھم لماذا تصبح الحسابات الجانبیة خطرًا على العملة نفسھا لذلك على البنك المركزي أن لا یدافع عن الریال بالخطب
بل یحتاج إلى إیرادات، سیولة، عملة صعبة، وثقة. فعندما تبقى إیرادات الدولة خارج الحساب العام، تضطر الحكومة إلى تأخیر
الرواتب، أو الاقتراض، أو السحب على المكشوف، أو الطباعة بلا غطاء، أو انتظار المنح، أو الضغط على البنك المركزي.
وكل طریق من ھذه الطرق یرسل رسالة للسوق أن الدولة لا تتحكم في مالھا.
والسوق لا یرحم الدولة التي لا ترى مالھا.
ثالثًا: الأثر الاقتصادي بالأرقام
لأن الحكومة لم تنشر كشفًا رسمیًا شاملاً بأرصدة الحسابات الجانبیة، لا یجوز أن نخترع رقمًا ونقدمھ كحقیقة. لكن یمكن أن
نبني سیناریوھات توضیحیة حتى یفھم المواطن معنى بقاء المال خارج الخزینة.
إذا استخدمنا سعرًا تقریبیًا قدره ٢٦١٨ ریالاً للدولار، فإن ١٠ ملیارات ریال تعادل نحو ٣.٨ ملیون دولار. و١٠٠ ملیار ریال
تعادل نحو ٣٨.٢ ملیون دولار. و٥٠٠ ملیار ریال تعادل نحو ١٩١ ملیون دولار. وتریلیون ریال یعادل نحو ٣٨٢ ملیون دولار.
ھذه سیناریوھات توضیحیة لا تعني أن ھذه الأرصدة مثبتة في حسابات بعینھا. لكنھا تكشف معنى الرقم عندما یبقى خارج
الخزینة.
إذا افترضنا راتبًا شھریًا قدره ١٠٠ ألف ریال، فإن ١٠٠ ملیار ریال تكفي لصرف ملیون راتب شھري. و٥٠٠ ملیار ریال تكفي
لصرف خمسة ملایین راتب شھري. وتریلیون ریال یكفي لصرف عشرة ملایین راتب شھري.
ھذا لا یعني أن ھناك بالضرورة تریلیون ریال مخفیًا في حساب معین. بل یعني أن أي مبلغ كبیر خارج الخزینة لیس رقمًا
محاسبیًا محایدًا، بل یتحول مباشرة إلى رواتب مؤجلة، كھرباء ناقصة، أدویة مفقودة، ومدارس بلا دعم.
فالأثر الاقتصادي للحساب الجانبي یعمل عبر خمس قنوات:
القناة الأولى ھي قناة السیولة. كل ریال لا یدخل الحساب العام یضعف قدرة الحكومة على الصرف المنتظم، وعندما لا تنتظم
السیولة، یتأخر الراتب، وتتراجع حركة السوق.
القناة الثانیة ھي قناة الثقة. التاجر والصراف والمواطن لا ینظرون فقط إلى سعر الصرف الیوم، بل إلى قدرة الدولة على التحكم
في مواردھا. إذا رأوا الدولة عاجزة عن جمع مالھا، یزداد توقعھم لانھیار جدید، وھذه التوقعات وحدھا تكفي لرفع الطلب على
الدولار.
القناة الثالثة ھي قناة الأسعار. عندما یضعف الریال أو تضعف الثقة أو تزید تكالیف النقل والجبایات، تنتقل الكلفة إلى السلع لأنھ
في بلد یعتمد على الاستیراد، أي اضطراب مالي یتحول سریعًا إلى سعر دقیق وزیت ودواء.
القناة الرابعة ھي قناة الخدمات. الكھرباء والمیاه والصحة لا تعمل بالوعود. تحتاج تمویلاً منتظمًا وصیانة ومشتریات وعقودًا
واضحة. الحسابات الجانبیة تجعل الخدمة رھینة الطوارئ والمنح بدل أن تكون بندًا ثابتًا في موازنة معروفة.
القناة الخامسة ھي قناة العدالة. عندما یدفع المواطن الرسوم والضرائب ولا یرى الخدمة، یشعر أن الدولة تأخذ ولا تعطي.
وعندما یشعر المواطن بذلك، یضعف الالتزام، ویزید التھرب، ویتحول الاقتصاد أكثر نحو الظل. ھكذا تصبح الفوضى سببًا
ونتیجة في وقت واحد.
رابعًا: عدن لیست مأرب... ولا یجوز جمع كل المناطق المحررة في سلة واحدة
الخطأ الكبیر أن نتحدث عن ”المناطق المحررة“ كأنھا كتلة واحدة. ھي لیست كذلك.
عدن ھي العاصمة المؤقتة، وجھ الشرعیة أمام الداخل والخارج، مقر البنك المركزي، ومسرح الصراع بین الحكومة والمجلس
الانتقالي والمصالح الإقلیمیة والشارع الغاضب. إذا انھارت عدن، قیل إن الحكومة فشلت. وإذا انھارت الكھرباء في عدن، قیل
إن الانتقالي فشل. وإذا ضعفت الخدمات، قیل إن المدینة لا تصلح مركزًا للدولة. ھكذا تصبح الخدمة العامة سلاحًا سیاسیًا. ومن
یترك عدن بلا تمویل واضح، وبلا صندوق خدمات محمي، وبلا سلطة مالیة قادرة على الإنفاق، فھو لا یترك مدینة فقط؛ ھو
یطعن فكرة الدولة البدیلة كلھا.
أما مأرب حالة مختلفة لأن مأرب تمتلك موارد نفط وغاز ونفوذًا محلیًا وجبھة حرب وملایین النازحین وسلطة محلیة قویة
تكونت في ظروف انھیار الدولة. قد تقول مأرب إنھا تحتاج إیراداتھا للأمن والخدمات والجبھة وھذا جزء من الحقیقة، لكنھ لیس
كل الحقیقة. لأن الدولة لا تقوم إذا احتفظت كل محافظة قویة بمواردھا بحجة ظروفھا. لو قبلنا بذلك، فلن یبقى بنك مركزي ولا
موازنة ولا راتب وطني. ستبقى عدن عاصمة بلا خزینة، وحكومة بلا أدوات، ومواطن بلا جواب.
وبالنسبة لحضرموت وشبوة فملفھما مختلف أیضًا. ھما محافظات ثروة وموانئ ونفط ومطالب محلیة. من الظلم أن یقال لھما:
سلموا كل شيء للمركز ثم انتظروا الفتات. لكن من الخطأ القاتل أیضًا أن یقال: احتفظوا بالمال قبل أن یدخل الدولة. الحق
المحلي لا یثبت بالاحتجاز، بل بقانون تقاسم واضح. یدخل الإیراد أولاً إلى حساب الدولة، ثم تعود حصة المحافظة تلقائیًا
وبموعد محدد وبنسبة معلنة. بھذا لا یبتلع المركز المحافظة، ولا تبتلع المحافظة الدولة.
أما تعز مختلفة فھي جبھة وحصار وتشظي وضعف قدرة إداریة، ولیست محافظة وفرة مالیة كحضرموت أو مأرب. والساحل
الغربي والمخا ملف ثالث، حیث السؤال لیس فقط: كم دخل؟ بل: من یملك المنفذ فعلیًا؟ من یحرس؟ من یحصل؟ لمن یورد؟
وھل القوة التي تسیطر على الأرض داخلة في ھرم الدولة المالي أم فوقھ؟
ھذه الفوارق مھمة، لكنھا لا تلغي القاعدة السیادیة الواحدة: لا مال عام خارج حساب الدولة.
خامسًا: الكھرباء تكشف المرض كلھ
الكھرباء لیست أزمة وقود فقط. إنھا اختبار كامل لمنظومة المال العام. الوقود یحتاج مالا.ً المال یحتاج خزینة. الخزینة تحتاج
توریدًا. والتورید یحتاج حسابًا واحدًا لا عشرات الحسابات.
إذا دخلت إیرادات الموانئ والضرائب والجمارك والغاز إلى الحساب العام، یستطیع المواطن أن یسأل: كم خُصص للكھرباء؟
كم دُفع للوقود؟ كم ذھب للصیانة؟ كم ضاع في الفاقد؟ كم لم یُحصّل؟ وكم تستھلك جھات حكومیة لا تدفع؟
أما عندما تكون الحسابات مشتتة، فالكھرباء تتحول إلى مسرحیة متكررة: ننتظر منحة، ننتظر شحنة، ننتظر توجیھات، ننتظر
دعمًا. لكن لا أحد ینشر الجدول الحقیقي: دخل كذا، خرج كذا، بقي كذا، والمسؤول عن العجز ھو كذا.
لذلك لا تقولوا للناس فقط: وصل الوقود. قولوا لھم: كم لتر وصل؟ إلى أي محطة؟ كم میجاوات أنتج؟ كم ساعة تشغیل أضاف؟
كم ضاع؟ من راقب؟ ومن فشل؟ ومن وقع؟
منحة الوقود لیست إنجازًا نھائیًا. ھي اختبار. الدعم إذا دخل بلا قفل رقابي قد یھدئ الصیف، لكنھ لا یبني دولة. والمانح الذي
یدعم بلا نتیجة قابلة للقیاس قد یشتري وقتًا قصیرًا، لكنھ یترك المنظومة نفسھا تبتلع الدعم ثم تطلب دعمًا جدیدًا.
سادسًا: استقرار الریال لا یكفي إذا لم تستقر الأسعار
لا یكفي أن تقول الحكومة إن سعر الصرف استقر. الاستقرار الحقیقي یجب أن یظھر في السوق. إذا استقر الدولار ولم تنخفض
أسعار الدقیق والزیت والأرز والحلیب والدواء، فھناك من یبتلع الفرق. قد یكون مستوردًا، أو محتكرًا، أو جبایة في الطریق، أو
رسومًا غیر قانونیة، أو غیاب رقابة، أو سلسلة نقل منھكة.
لذلك المطلوب لیس لوحة صرف فقط، بل لوحة معیشة یومیة: سعر الدولار، سعر السعودي، سعر الدقیق، الزیت، الأرز،
السكر، الغاز، الدواء الأساسي، والمواصلات. ھذه اللوحة ستكشف الحقیقة: ھل الاستقرار وصل إلى البیت، أم بقي في البنك؟
أي إصلاح لا یصل إلى طبق المواطن لیس إصلاحًا كاملا.ً وأي استقرار لا یحمي الراتب لیس استقرارًا سیاسیًا. وأي دعم لا
یتحول إلى خدمة لیس دعمًا للناس، بل دعم لمنظومة تتقن ابتلاع الموارد.
سابعًا: الحل الأول — حساب الدولة الواحد مع حصة عادلة للمحافظات
ھذا ھو العمود الفقري. لا توجد دولة بخزائن متعددة. المطلوب لیس أن تصادر عدن أو الحكومة حقوق المحافظات، ولا أن
تتحول مأرب وحضرموت وشبوة إلى صراف آلي للمركز. المطلوب نظام ذكي: كل إیراد سیادي یدخل إلى الحساب العام في
البنك المركزي بعدن، تُعاد حصة المحافظة تلقائیًا وفق قانون معلن.
المعادلة یجب أن تكون بسیطة وقاسیة في نفس الوقت: لا تورید بلا حصة، ولا حصة بلا تورید.
من یورد یحصل على حصتھ خلال سبعة أیام. من لا یورد یُنشر اسمھ في تقریر شھري. من یحتفظ بالإیراد قبل دخولھ الحساب
العام یُعامل كجھة غیر ممتثلة. من یفتح حسابًا جانبیًا دون تصریح یُجمّد حسابھ. من یدفع عبر صرافة خارج النظام یفقد حق
التعامل الحكومي. ومن یرفض كشف الحساب لا یحق لھ الحدیث عن المحافظة ولا السیادة ولا الظروف.
ھذا الحل یقتل حجة الطرفین، و یقتل حجة المركز إذا أراد ابتلاع موارد المحافظات، ویقتل حجة المحافظات إذا أرادت
الاحتفاظ بالمال قبل الدولة. لكن البعض سیقول لا أحد یثق بأحد؟ جید إذا دعوا النظام البنكي یوزع الحصص تلقائیًا فإذا دخلت
إیرادات منفذ أو میناء أو ضریبة أو نفط؟ تُقسم وفق قانون واضح: حصة للخزینة العامة، حصة للمحافظة، حصة لصندوق
تضامن، وحصة محددة للخدمات إذا اقتضى الأمر. لا مزاج وزیر. لا ابتزاز محافظ. لا تفاوض تحت الطاولة.
بھذا تصبح المعركة حول القانون لا حول النفوذ.
ثامنًا: الحل الثاني — صندوق عدن المحمي ومصالحة جنوبیة
عدن لا یجب أن تبقى ضحیة دورھا السیاسي. إذا كانت العاصمة المؤقتة ومقر البنك المركزي والحكومة، فلا یجوز أن تُدار
كأي مدینة عادیة بلا ضمانات مالیة. تحتاج عدن إلى صندوق خدمات محمي، یمول من نسبة معلنة من الإیرادات السیادیة
الموردة فعلاً ومن الدعم الخارجي المخصص للخدمات.
ھذا الصندوق لا یكون تحت ید حزب أو طرف أو محافظ وحده. یدار برقابة مشتركة: وزارة المالیة، البنك المركزي، السلطة
المحلیة، دیوان رقابة، وممثلین مستقلین من المجتمع المدني والقطاع الخدمي. ھدفھ لیس شعارات. ھدفھ خمسة ملفات فقط:
الرواتب المحلیة الأساسیة، المیاه، النظافة، الصحة، الطرق، والكھرباء الحیویة للمرافق العامة.
لماذا عدن؟ لأن انھیار عدن لیس انھیار خدمة فقط؛ ھو انھیار صورة الدولة. إذا كان مقر البنك المركزي في مدینة لا تجد
كھرباء ولا نظافة ولا رواتب، فكیف سیصدق الناس أن ھذا المركز المالي قادر على قیادة المناطق المحررة؟ إذا كانت الحكومة
تطلب من المحافظات التورید ولا تستطیع حمایة عاصمتھا المؤقتة من الانھیار الخدمي، فإن خطابھا یفقد وزنھ.
لكن الصندوق لا یكفي وحده. الجنوب یحتاج أیضًا إلى مصالحة مالیة داخلیة. عدن لھا دورھا، حضرموت لھا ثروتھا ومطالبھا،
شبوة لھا نفطھا، لحج وأبین والضالع لھا تضحیاتھا وأعباؤھا. إذا لم توجد معادلة جنوبیة للموارد، ستتحول كل محافظة إلى
خصم للأخرى. المطلوب عقد مالي جنوبي داخل الإطار العام للدولة: الإیرادات السیادیة تورد، الحقوق المحلیة تضمن، عدن
تمول كعاصمة مؤقتة، والمحافظات المنتجة لا تعامل كغنیمة للمركز.
ھذا لیس تنازلاً سیاسیًا لأي طرف. ھذا شرط بقاء. لأن الجنوب إذا لم ینظم موارده داخلیًا، سیبقى عرضة لصراع شعارات
یخفي صراع الإیرادات.
تاسعًا: الحل الثالث — الرقمنة والرقابة والعقوبة قبل الخطاب
لا تطلبوا من الفاسد أن یصبح شریفًا فجأة. صمموا نظامًا یجعل الفساد أصعب وأغلى وأكثر فضیحة.
أولا،ً خریطة المال العام خلال ثلاثین یومًا. كل جھة حكومیة، كل مؤسسة، كل حساب بنكي، كل حساب صرافة، كل صندوق،
كل منفذ، كل میناء، كل مرفق إیرادي، كل محافظة، یجب أن یقدم رقمًا: نوع الإیراد، الحساب المستخدم، البنك أو الصرافة،
متوسط التحصیل، آخر تحویل للبنك المركزي، اسم المسؤول المالي، والرصید الحالي. من لا یقدم البیانات لا یُسمى ”فاسدًا“
قبل التحقیق، لكنھ یُنشر كجھة غیر مفصحة. ھذه وحدھا فضیحة كافیة.
ثانیًا، رقم تتبع لكل ریال حكومي. لا سند ورقي بلا رقم. لا دفع نقدي بلا إدخال فوري. لا تخفیض جمركي بلا توقیع إلكتروني.
لا إعفاء بلا نشر. لا شحنة بلا رقم. لا إیراد كھرباء أو میناء أو ضریبة أو جمارك یدخل في الظلام. إذا دفع المواطن أو التاجر،
یحصل على رقم مرجعي. وإذا لم یظھر الرقم في النظام، فالمال لم یدخل الدولة.
ثالثًا، رقمنة الجمارك والضرائب من نقطة الدفع، لا من المكتب. كل شحنة تدخل میناء عدن أو المكلا أو منفذ الودیعة أو شحن
أو أي منفذ آخر یجب أن تظھر في منصة واحدة. القیمة، الرسوم، الدفع، التقییم، الإعفاء، اسم الموظف، ووقت الإفراج. لا
نحتاج ملائكة في المنافذ، بل نحتاج نظامًا یجعل ید الموظف والنافذ مكشوفة.
رابعًا، رخصة امتثال للبنوك والصرافات. أي بنك أو شركة صرافة تتعامل مع أموال حكومیة یجب أن تصنف شھریًا: أخضر،
أصفر، أحمر. الأخضر ملتزم ولا یحتفظ بمال حكومي خارج التعلیمات. الأصفر علیھ ملاحظات. الأحمر ممنوع من التعامل
الحكومي ومحروم من مزادات أو تسھیلات أو تعاملات رسمیة. الصراف لا یخاف من التعمیم. یخاف من خسارة السوق
والسمعة.
خامسًا، ضرب نقاط الجبایة من السعر لا من البندقیة فقط. لا تستطیع الدولة إزالة كل نقطة في یوم واحد، لكنھا تستطیع أن
تكشفھا عبر خط بلاغ للتجار والسائقین، صور، مواقع، مبالغ، خریطة أسبوعیة للطرق الأعلى جبایة. أي نقطة تقول إن
رسومھا قانونیة، فلتظھر في قائمة الرسوم الوطنیة. ما عدا ذلك ابتزاز. وكل قوة أمنیة في منطقة جبایة یجب أن تُسأل: ھل ھذه
النقطة رسمیة؟ أین تذھب أموالھا؟ من المسؤول عنھا؟
سادسًا، موازنة شعبیة شھریة. لا أحد یرید قراءة ٣٠٠ صفحة. المواطن یرید صفحة واحدة: كم دخل من الجمارك؟ كم من
الضرائب؟ كم من الموانئ؟ كم من النفط والغاز؟ كم وردت كل محافظة؟ من لم یورد؟ كم صُرف للرواتب؟ كم للخدمات؟ كم
للكھرباء؟ كم بقي عجزًا؟ وما الجھات غیر المفصحة؟ ھذه الصفحة یجب أن تنشر كما تنشر أسعار الصرف. الرقم ھو بدایة
المحاسبة.
سابعًا، عقوبة إداریة سریعة لا تنتظر القضاء الطویل. القضاء مھم، لكنھ بطيء. الجھة غیر المفصحة تُجمّد حساباتھا المخالفة.
تُعلّق مخصصاتھا غیر الضروریة. تُمنع من فتح حسابات جدیدة. یُحظر تعاملھا مع الصرافین. یُحال ملفھا للنیابة المالیة. ھذه
العقوبات لا تقول إن فلانًا سرق، لكنھا تقول إن الجھة خالفت مسار المال العام. والفرق مھم قانونیًا وسیاسیًا.
ثامنًا، ربط الدعم الخارجي بنتیجة لا بوعود. السعودیة والإمارات والبنك الدولي والمانحون لا یجب أن یضخوا أموالاً في خزان
مثقوب. كل دولار دعم یجب أن یرتبط بمؤشرات: عدد الحسابات المغلقة، نسبة التورید، عدد الجھات المفصحة، انخفاض
الجبایات، انتظام الرواتب، تشغیل نظام الدفع، ونشر الموازنة الشھریة. الدعم غیر المشروط یشتري وقتًا قصیرًا ویمول فوضى
طویلة. الدعم المشروط یعطي الحكومة سلاحًا ضد المعرقلین.
عاشرًا: تسمیة المسؤولیة لا الشتیمة
ھذه الدراسة لا تحتاج شتائم. الشتیمة لا تخیف الفاسد لكن الرقم یخیفھ والاتھام العام یذوب في الردود. أما الكشف الشھري
فیبقى.
یجب أن یقال بوضوح: مجلس القیادة مسؤول سیاسیًا عن فرض القرار. الحكومة مسؤولة عن تحویل القرار إلى جدول تنفیذ.
وزارة المالیة مسؤولة عن نشر الأرقام. البنك المركزي مسؤول عن منع الحسابات الحكومیة خارج نظامھ. مأرب مسؤولة عن
موارد مأرب. حضرموت مسؤولة عن موارد حضرموت. شبوة مسؤولة عن موارد شبوة. عدن مسؤولة عن إدارة خدماتھا
لكنھا تحتاج تمویلاً محمیًا لأنھا تتحمل دور العاصمة. القوة التي تجبي في الطریق مسؤولة أمنیًا ومالیًا. الصراف الذي یحتفظ
بمال حكومي مسؤول تنظیمیًا. الوزیر الذي لا ینشر مسؤول إداریًا. المحافظ الذي لا یورد مسؤول سیاسیًا.
ھذه لیست شتائم. ھذه خریطة مسؤولیة.
فالمسؤول یستطیع أن یقول: أنا لست فاسدًا. لكنھ لا یستطیع الھروب إذا قیل لھ: ھذه جھتك جمعت كذا، وردت كذا، وأبقت كذا
خارج الحساب العام.
المواطن أیضًا یجب أن یغیر سؤالھ. لا یسأل فقط: أین الراتب؟ یسأل: من لم یورد؟ لا یسأل فقط: لماذا الریال انھار؟ یسأل: كم
مال الدولة خارج البنك المركزي؟ لا یسأل فقط: لماذا عدن مظلمة؟ یسأل: كم خُصص للكھرباء، ومن لم یدفع فاتورتھ، وكم فاقد
الشبكة، وكم من إیرادات الكھرباء دخل الحساب العام؟ لا یسأل فقط: لماذا الأسعار مرتفعة؟ یسأل: كم جبایة غیر رسمیة یدفعھا
التاجر قبل أن تصل السلعة إلى السوق؟
بھذه الأسئلة یتحول الغضب من صراخ إلى محاسبة حقیقیة لا شعارات عاطفیة فارغھ.
الخاتمة: من یخاف من الرقم لا یرید إصلاحًا
بعد كل ھذا التشخیص، لا نحتاج وعدًا جدیدًا، ولا لجنة جدیدة، ولا بیانًا جدیدًا عن ”حرص الحكومة“. المطلوب أبسط وأخطر
من ذلك: أن تتحول الدولة من سلطة تطلب الصبر إلى سلطة تقدم كشف حساب.
خلال ثلاثین یومًا فقط، تستطیع الحكومة أن تثبت إن كانت جادة أم لا: لوحة معیشة یومیة تنشر سعر الصرف وأسعار السلع
الأساسیة، ولوحة كھرباء یومیة تنشر الوقود الداخل والإنتاج وساعات التشغیل والانطفاء والفاقد والتحصیل، وكشف إیرادات
شھري یوضح ما ورد إلى البنك المركزي، وما لم یورد، والجھات التي امتنعت عن الإفصاح.
خلال تسعین یومًا، یجب أن یبدأ الإصلاح من الأماكن التي یخافھا الفاسدون لا من جیوب الضعفاء: حساب محمي للكھرباء،
تتبع للوقود من المیناء إلى المحطة، عدادات قیاس على المغذیات، حملة فاقد تبدأ بكبار المستھلكین، ونشر دیون الجھات
الحكومیة للكھرباء بالفئات. لا أسماء مواطنین عادیین، ولا استعراض قوة على الفقراء. ابدأوا بمن یملك النفوذ، لأن الإصلاح
الذي یخاف من الكبیر ویتجرأ على الصغیر لیس إصلاحًا، بل ظلمًا منظمًا.
خلال ستة أشھر، یجب أن تنتھي فوضى المال العام: نظام دفع رسمي لكل إیراد حكومي، منع الصرافات والبنوك من الاحتفاظ
بأموال المؤسسات العامة خارج المسار المعلن، نشر سجل الإعفاءات الجمركیة والضریبیة، وبدء مراجعة كشوفات الرواتب.
أي جھة لا تفصح لا نسمیھا فاسدة قبل التحقیق، لكن نسمیھا بوضوح: جھة ترفض الرقم.
وخلال سنة، یجب أن نرى دولة لا بیانًا: نظام جمركي موحد، تقاسم إیرادات قانوني بین المركز والمحافظات، قاعدة رواتب
موحدة، ملخصات منشورة للعقود الكبرى، وحدة مستقلة لحمایة إیرادات الكھرباء، ونیابة مال عام انتقالیة لقضایا عدم التورید
والجبایات والإعفاءات والعقود الوھمیة.
أما خلال ثلاث سنوات، فالمطلوب لیس معجزة. المطلوب دولة طبیعیة: خزینة موحدة، حصة محافظة مضمونة، كھرباء تقاس
ولا تُدار بالشائعات، رواتب منتظمة، جمارك رقمیة، عقود منشورة، دعم خارجي مشروط بنتائج، وقضاء مالي یخافھ الكبیر
قبل الصغیر.
ھذه لیست أحلامًا. ھذه أدوات دولة عادیة. لكنھا في المناطق المحررة تبدو ثوریة لأن الفوضى طالت حتى صارت طبیعیة،
ولأن المستفیدین منھا یریدون إقناع المواطن أن السؤال نفسھ مستحیل.
لكن السؤال لیس مستحیلا.ً السؤال بسیط: أین مال المواطن؟
أین إیرادات الجمارك؟ أین الضرائب؟ أین رسوم الموانئ؟ أین إیرادات الكھرباء؟ أین فواتیر الجھات الحكومیة؟ أین موارد
المحافظات المنتجة؟ أین المنح؟ أین الوقود؟ أین العقود؟ أین الرواتب؟ أین أثر استقرار الصرف على السوق؟ وأین تقریر
شھري واحد یفھمھ المواطن دون وسیط أو دعایة؟
إذا لم تجب السلطة على ھذه الأسئلة، فلیست المشكلة في وعي المواطن. المشكلة في سلطة لا ترید أن تُرى من الداخل.
الریال قد یستقر كرقم، لكن المواطن لن یستقر كإنسان إذا لم تستقر الأسعار والرواتب والخدمات. والدعم قد یصل كمنحة، لكن
الكھرباء لن تستقر إذا دخل إلى منظومة مثقوبة. والحكومة قد تعلن إصلاحات، لكن الإصلاح الذي لا یخفض سعرًا، ولا یحمي
راتبًا، ولا یضيء بیتًا، ولا ینشر حسابًا، لیس إصلاحًا كاملا.ً ھو إدارة غضب لا إدارة دولة.
أخطر سؤال الیوم لیس: من مع الشرعیة ومن ضدھا؟
أخطر سؤال ھو: من داخل الشرعیة یخاف من كشف حساب الشرعیة؟
من یرید دولة لن یخاف من الخزینة الموحدة. من یرید خدمة لن یخاف من تتبع الوقود. من یرید حمایة المواطن لن یخاف من
لوحة الأسعار. من یرید إصلاح الكھرباء لن یخاف من عدادات المغذیات. من یرید عدالة لن یبدأ بالفقراء ویترك الكبار. ومن
یرید سیادة حقیقیة لن یترك المال العام في حسابات جانبیة ومسارات غامضة.
ومن یرفض كل ھذا لا یدافع عن السیادة، بل یدافع عن منطقة محررة بالاسم، ومفتوحة للتسرب والفوضى والنھب المقنّع.
ھذه ھي جمھوریة الرقم المفقود.
وإنقاذھا لا یبدأ بخطاب جدید، بل بكشف حساب جدید.
الظروف تفسر نقص الموارد، لكنھا لا تبرر غیاب الحساب. والحرب تفسر جزءًا من الفشل، لكنھا لا تبرر أن یصبح الفشل باب
رزق. والانقسام یفسر صعوبة الإصلاح، لكنھ لا یبرر أن یتحول الانقسام إلى ستار یحمي من یرفضون نشر الأرقام.
ومن یرفض نشر الأرقام لیس ضحیة الانقسام. ھو جزء من نظام یرید بقاء الانقسام، لأن الانقسام یخفیھ، والرقم یفضحھ وعدن،
والجنوب، والمناطق المحررة، لن تخرج من الفوضى حتى یعود مال الدولة إلى الدولة، وحتى یعرف المواطن أین ذھب الریال
الذي دفعھ، ومن منعھ من العودة إلیھ راتبًا وخدمة وكرامة.
بقلم: الأستاذ مجدي عبدالله أحمد بن أحمد الحالمي
12/6/2026