آخر تحديث :السبت-13 يونيو 2026-04:29ص

الإدارة الذاتية مقابل التفويض التعاقدي: إشكالية الحق المؤقت في مواجهة التأسيس الدستوري

الجمعة - 12 يونيو 2026 - الساعة 10:41 م
د. باسل باوزير


د. باسل باوزير


غير مختلف عليه أن اليمن يعاني من عجز مزمن في تفعيل اللامركزية الحقيقية، وأن المحافظات تئن تحت وطأة مركزية أعادت إنتاج نفسها بأشكال مختلفة منذ عقود. وفي خضم هذه المعاناة، تبرز أطروحات تحاول الخروج من المأزق عبر حلول "مؤقتة" تبتعد عن صخب السياسة نحو إدارة العقود والمشاريع. ومن بين هذه الأطروحات، ما طرحه المهندس بدر محمد باسلمة (وزير الإدارة المحلية) حول "التفويض التعاقدي المرحلي" كإطار لتنظيم العلاقة بين المركز والمحافظات، مسنودًا بدعم أممي وأوروبي.

لكن هذه الأطروحة، التي تبدو في ظاهرها عملية وتكنوقراطية، تخفي في جوهرها إشكاليات دستورية وسياسية عميقة. فهي لا تقدم حلاً لمعضلة المركزية، بل تعيد صياغتها بثوب أكثر حداثة، ثوب التعاقد المؤقت، والتدويل، وإخضاع الحقوق الأساسية لمتغيرات الأداء والشروط الخارجية.


يمكن القول؛ أن "التفويض التعاقدي" يُعتبر خرقاً للهرم القانوني، فمن المبادئ المستقرة في القانون الدستوري والإداري أن السلطة التنفيذية لا تملك تفويض ما لا تملك. بمعنى أن رئيس الوزراء أو مجلس الوزراء لا يمكنه "التعاقد" على نقل صلاحيات سيادية أو مالية إلى المحافظات إلا إذا كان هناك نص دستوري أو تشريعي سامٍ يسمح بذلك ويحدد آلياته. فقانون السلطة المحلية رقم (4) لسنة 2000 هو الإطار التشريعي الحاكم، وهو لم يُلغَ أو يُعدّل. وهذا القانون يمنح المركز صلاحيات واسعة، لكنه لا يجيز نظام "التفويض التعاقدي" كبديل عن التوزيع القانوني الثابت للاختصاصات.

إن اللجوء إلى عقود ثنائية بين المركز والمحافظات (حكومة مركزية – سلطة محلية) يعني عملياً تجاوز سلطة المشرع (مجلس النواب)، الذي يمثل الشعب، عبر إضفاء شرعية مؤقتة على ترتيبات هشة يمكن لأي حكومة لاحقة نقضها ببساطة. اضافة إلى تحويل الصلاحيات من حقوق مضمونة إلى امتيازات قابلة للشروط. وهذا يمثل انتهاكاً صريحاً لمبدأ دولة القانون، حيث تكون القواعد العامة ثابتة ومعلنة، لا مرهونة بعقود إدارية سرية أو شبه علنية.

يركز منطق "التفويض التعاقدي" على أن المركز هو المصدر الأصلي للسلطة، وهو يُفوض المحافظات في ممارسة بعض الصلاحيات مقابل التزامات بأداء ومراقبة. هذا المفهوم يتناقض جذرياً مع روح اللامركزية أو الإدارة الذاتية، حيث تُعتبر الصلاحيات المحلية أصيلة مستمدة من الدستور أو من إرادة المجتمع المحلي، وليست مستمدة من إرادة المركز.

في النظام اللامركزي الحقيقي، المركز لا يتعاقد مع المحافظات، بل يتقاسم معها السلطة بموجب نص دستوري. أما في نموذج التفويض التعاقدي، تظل العلاقة علاقة وصي على قاصر، المركز هو الوصي الذي يقرر متى وكيف ولمن يُفوض، ويضع معايير الأداء، وله الحق في سحب التفويض. هذه ليست تمكيناً، بل هي إعادة إنتاج للوصاية بعباءة حديثة.

إن أكثر ما يثير القلق في أطروحة "التفويض التعاقدي" هو ربطها صراحةً بـ "الدعم الأممي (UNDP) والتمويل الأوروبي". هذا يعني أن جدوى التفويض واستمراريته لن تكون مرتبطة بإرادة اليمنيين أو توافقاتهم، بل بجداول المشاريع وتقارير الأداء التي تُقدّم للجهات المانحة. وهذا يخلق ثلاثة مخاطر:

- تدويل الإدارة المحلية: تصبح صلاحيات المحافظات مرهونة لاستمرار تدفق المساعدات الخارجية، وأي انسحاب للدعم أو تغير في الأولويات الدولية يؤدي إلى انهيار كامل للترتيبات.

- الالتفاف على التوافق الوطني: بدلاً من بناء توافق يمني – يمني حول شكل الدولة وتوزيع السلطة، يتم فرض حلول تقنية بتأثير خارجي، مما يضعف الدولة الوطنية ويجعلها رهينة للإملاءات الخارجية.

- إضعاف المساءلة المحلية: عندما تكون المصادر الأساسية للصلاحيات والتمويل خارجية، فإن المواطن المحلي يفقد قدرته على محاسبة سلطته المحلية، لأن هذه السلطة ستكون أكثر استجابة لمتطلبات المانحين منها لاحتياجات المجتمع.

بالمقابل، يُبرر أصحاب فكرة التفويض التعاقدي طرحهم بأنه "مؤقت" و"مرحلي" لحين استقرار الأوضاع. لكن التاريخ اليمني الحديث يعلمنا أن الترتيبات المؤقتة عندما تخلو من سقف زمني واضح وآليات للتحول إلى ترتيبات دائمة، فإنها تتحول إلى دائمة ومستقرة في هشاشتها. فمنذ 2011 واليمن يعيش "مراحل انتقالية" متتالية لم تنتهِ إلى شيء، لأن النخب وجدت في "المؤقت" ملاذاً آمناً لتأجيل الحسم في القضايا الجوهرية.

إن نموذج التفويض التعاقدي يُطيل عمر هذه المرحلة الانتقالية إلى أجل غير مسمى، فطالما أن المركز قادر على منح الصلاحيات وسحبها عبر عقود، فلن يكون هناك دافع حقيقي للانتقال إلى مرحلة دستورية دائمة تعيد توزيع السلطة بشكل جذري.

إن البديل عن أطروحة التفويض التعاقدي يقوم على مسارين متكاملين، لا أحدهما بديل عن الآخر، لكنهما معاً يشكلان الطريق إلى الإدارة الذاتية الآمنة:

- المسار الأول: التطبيق الجذري لقانون السلطة المحلية رقم (4) لعام 2000

هذا القانون، على قدمه، يمنح صلاحيات واسعة للمحافظات في مجالات التخطيط والتنفيذ والموارد المحلية. المشكلة لم تكن في النص، بل في غياب الإرادة السياسية لتطبيقه. والبدء فوراً بتطبيقه بالكامل، مع إلغاء كل التعاميم واللوائح التي قيدته، بما يمثل خطوة عملاقة نحو اللامركزية. هذا المسار يتمتع بشرعية قانونية قائمة، ولا يحتاج إلى استحداث آليات تعاقدية جديدة.

- المسار الثاني: صياغة "إعلان دستوري مؤقت" يرسي الإدارة الذاتية كحق أصيل

نظراً لأن الظروف الراهنة لا تسمح بتعديل دستوري كامل، فإن الحل التوافقي هو الإعلان الدستوري المؤقت الذي يخرج من حوار وطني جامع يتضمن:

1- تثبيت مبدأ الإدارة الذاتية للمحافظات كأساس لنظام الحكم في المرحلة الانتقالية.

2- وضع قواعد واضحة لتقاسم الثروة بين المركز والمحافظات، بحيث تكون ملزمة وليست تعاقدية.

3- تحديد آليات فض النزاعات بين المركز والمحافظات عبر هيئة مستقلة (ليست تابعة للحكومة).

هذا المسار التوافقي هو الذي يحمي المحافظات من تقلبات المزاج السياسي للمركز، ويجعل الصلاحيات حقوقاً مضمونة، وليس منحة قابلة للسحب بتغير الوزير أو رئيس الوزراء.


خلاصة القول؛ إن الاندفاع نحو "التفويض التعاقدي المرحلي" تحت شعار المرونة والواقعية هو في حقيقته تراجع عن أصل التأسيس الدستوري، واستسلام لثقافة "الانتقال الدائم" التي أتلفت الدولة اليمنية. العقد الإداري قد يكون أداة جيدة لتسيير مرفق ماء أو صيانة طريق، لكنه ليس أداة لتوزيع السلطة وحقوق الشعب.

ما تحتاجه المحافظات اليوم ليس "عقد تفويض" يُكتب بصيغة قانونية معقدة تحت إشراف خبراء أجانب، بل عقد اجتماعي سياسي يُكتب بصيغة توافقية واضحة، يُقر في حوار وطني يمني-يمني، ويُحمى بإعلان دستوري مؤقت يحول الإدارة الذاتية من طموح إلى واجب على المركز والمحافظات معاً. أما "التفويض التعاقدي" فهو محاولة لإعادة تركيب الوصاية المركزية بآليات حديثة، تحت ستار التكنوقراطية وعباءة التدويل.