آخر تحديث :السبت-13 يونيو 2026-04:29ص

فيلم درويش اليمني!

السبت - 13 يونيو 2026 - الساعة 12:45 ص
علي عبدالإله سلام


تدور أحداث فيلم "درويش" فى إطار الأربعينيات اثناء الإحتلال الإنجليزي لجمهورية مصر العربية، حول شخصية محتال يجد نفسه وسط سلسلة من التحديات والمخاطر، ليتحوّل عبر مغامرات غير متوقعة إلى بطل من نوع خاص، لا يشبه الأبطال النمطيين، بل يُقدم نموذجًا مختلفًا يحمل طابعًا إنسانيًا ومثيرًا.


هذا يشبه جانبًا مما حدث في اليمن بعد 2015. فسنوات الحرب لم تنتج فقط جبهات عسكرية، بل أنتجت أيضًا أبطال مصنوعين من الكراتين ذوي تاريخ أسود ومجاميع أخرى لديها من الخطاب المتشدد ما يكفي، ومجاميع غذّاها المال السياسي، وأدلجة عشوائية نقلت الناس من خلافات السياسة إلى تصنيفات الهوية والعقيدة والانتماء.

منذ 2015، بدا المشهد اليمني وكأنه نسخة طويلة من قصة "درويش". لم يكن البطل الحقيقي هو من ضحّى دائمًا، بل كثيرًا ما تصدّر المشهد من أتقن اللعب على التناقضات، واستثمر في الفوضى، وغيّر شعاراته بحسب اتجاه الريح.

في زمن الحرب، اختلطت الأوراق إلى درجة أصبح فيها من الصعب التمييز بين من جاء لإنقاذ الدولة ومن وجد في انهيارها فرصة للصعود. وبينما كان الناس يدفعون ثمن الحرب من أرواحهم وأرزاقهم، كانت طبقة جديدة من المنتفعين تتشكل على حساب الجميع.

بعضهم بدأ بخطاب وطني وانتهى إلى مشروع ضيق، وبعضهم رفع شعارات الدين فحوّلها إلى أداة استقطاب، وبعضهم تحدث باسم المظلومين ثم أصبح جزءًا من منظومة الظلم نفسها.

أخطر ما أنتجته الحرب ليس فقط الدمار، بل إعادة تشكيل الوعي على أساس الكراهية والتصنيف. صار السؤال عن هوية الضحية يسبق التعاطف معها، وعن انتماء القتيل يسبق إدانة قاتله، وعن موقف الإنسان السياسي يسبق الاعتراف بإنسانيته.

وكما في قصص المحتالين الكبار، لم يكن النجاح قائمًا على الحقيقة بقدر ما كان قائمًا على القدرة على صناعة الرواية وإقناع الناس بها.

لكن المشكلة أن الأوطان ليست فيلمًا ينتهي بعد ساعتين، فالأخطاء هنا يدفع ثمنها شعب كامل وأجيال كاملة.

بعد عشر سنوات من الحرب، ربما آن الأوان لنسأل: من كان يقاتل من أجل الوطن فعلًا؟ ومن كان يقاتل من أجل أن يصبح "بطلًا" في حكاية صنعها المال السياسي والفوضى والانقسام؟ لانحتاج إلى مزيد من "الدراويش" الذين يقتاتون على الفوضى والانقسام، بل إلى استعادة فكرة بسيطة: أن الإنسان يُحترم لإنسانيته أولًا، وأن الاختلاف لا يلغي الرحمة، ولا يبرر الشماتة، ولا يمنح أحدًا حق توزيع صكوك الوطنية أو الإيمان على الناس.