آخر تحديث :الثلاثاء-06 يناير 2026-08:15م
أخبار وتقارير

معبد أوام... نقش أثري يتحوّل إلى متكأ للقات

الإثنين - 05 يناير 2026 - 09:33 ص بتوقيت عدن
معبد أوام... نقش أثري يتحوّل إلى متكأ للقات
عدن الغد - العربي الجديد

أعاد مقطع فيديو متداول على مواقع التواصل الاجتماعي فتح ملف الإهمال الذي يطاول واحداً من أهم المعالم الأثرية في اليمن، معبد أوام (محرم بلقيس) بمحافظة مأرب، شمال شرقي البلاد، بعدما أظهر نقشاً أثرياً ملقى على الأرض يُستخدم متكأً من أشخاص يتعاطون نبات القات، في مشهد أثار موجة واسعة من الغضب والاستياء في الشارع اليمني، وطرح تساؤلات حادة حول مسؤولية الجهات الرسمية، والآثار القانونية والثقافية لما يجري في موقع مُدرج على قائمة التراث العالمي المعرّض للخطر.

الفيديو الذي جرى تداوله، الخميس 25 ديسمبر/كانون الأول 2025، التُقط داخل حرم معبد أوام الأثري، ويُسمع فيه مصوّر المقطع وهو يشرح أن النقش الحجري التاريخي يُستخدم من أشخاص جلسوا لمضغ القات متكئين عليه، في غياب أي رقابة أو حماية للموقع. المشهد، الذي اعتبره يمنيون "إهانة صريحة لذاكرة البلاد"، لم يُقرأ باعتباره حادثة فردية، بل بوصفه نتيجة طبيعية لسلسلة طويلة من الإهمال والتفريط التي تعانيها المواقع الأثرية في ظل الحرب.

وفي أول ردة فعل رسميّة، حذّرت الهيئة العامة للآثار والمتاحف في اليمن من استمرار أعمال التدمير والنهب التي يتعرض لها معبد أوام (محرم بلقيس) في مأرب. وقالت الهيئة، في بيان نشرته على موقعها الإلكتروني تعليقاً على الفيديو، إنّ هناك غياباً لحماية المواقع الأثرية من عمليات وصفتها بـ"المتعمّدة" لاقتلاع وتهريب النقوش المسندية الثمينة.

وناشدت الهيئة أبناء محافظة مأرب والسلطات المحلية التحرك العاجل لحماية المعبد، وإعادة تأمين السور الحديدي الخاص به، كما دعت منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (يونسكو) إلى التدخل، خصوصاً أن المعبد أُدرج ضمن قائمة التراث العالمي المعرّض للخطر.

وحاولت "العربي الجديد" الحصول على تعليق من صادق الصلوي، مدير عام الآثار بمحافظة مأرب، إلّا أنه رفض التصريح، مبرراً ذلك بأن "التصريحات لم تعد تجدي نفعاً"، مشيراً إلى أن ما أدلى به سابقاً لوسائل الإعلام لم يفضِ إلى أي نتائج عملية على الأرض.

الواقعة الأخيرة ليست معزولة عن سياق أوسع من الانتهاكات التي طاولت معبد أوام خلال السنوات الماضية. ففي نوفمبر/تشرين الثاني 2022، تعرض المعبد لعملية تخريب وعبث ونهب منظّم، إذ أفادت وسائل إعلام محلية آنذاك بأن مسلحين مجهولين نبشوا وأحدثوا حفريات داخل الموقع بحثاً عن أعمدة منقوشة وكنوز ثمينة وقطع أثرية نادرة. وطاولت أعمال التخريب ثاني أقدم مكتبة لوحية للنقوش في التاريخ، التي تحتوي على أكثر من ألف نقش مسندي.

كما أن المعبد الأثري تحوّل إلى ساحة لجلسات التصوير الخاصة باحتفالات التخرج الجامعية، وجلسات التصوير الخاصة بأعراس الزواج، بالإضافة إلى تحويل الأعمدة الموجودة داخل المعبد إلى مكان للتدريب على القنص بالأسلحة من رجال القبائل.

وفي أكتوبر/تشرين الأول 2024، وجّه عضو مجلس القيادة الرئاسي سلطان العرادة قيادة السلطة المحلية في مأرب بالتنسيق مع الهيئة العامة للآثار والمتاحف لتنفيذ وسائل حماية المواقع الأثرية في المحافظة، وفي مقدمتها معبد أوام، ومعبد برّان (عرش بلقيس)، وسد مأرب، ومدينة مأرب القديمة، التي أدرجتها "يونسكو" ضمن قائمة التراث العالمي. غير أنّ هذه التوجيهات، بحسب متابعين، ظلت حبراً على ورق من دون أن تُترجم إلى إجراءات ملموسة.

ويُعرف معبد أوام أيضاً باسم "محرم بلقيس"، وهو معبد الإله "المقه" (إله القمر)، الذي شُيّد له أكثر من 35 معبداً داخل اليمن وخارجه. وكان المعبد قبلةً للقبائل السبئية وقبائل الجزيرة العربية، ومسرحاً للقرابين والطقوس الدينية، ومثّل أكبر مجمع ديني في جنوب شبه الجزيرة العربية، واستمر الحج إليه حتّى نهاية القرن الرابع الميلادي.

يعود تاريخ بناء المعبد إلى منتصف الألفية الثانية قبل الميلاد، ويقع على بُعد خمسة كيلومترات جنوب شرقي المدينة القديمة لمأرب. مدخله الرئيس في الواجهة الشمالية، وعلى بُعد عشرة أمتار من المدخل تنتصب ثمانية أعمدة ضخمة في صف واحد. ويتكوّن من سور مبني بالأحجار الكلسية بطول 752 متراً، وبسماكة تتراوح بين ثلاثة وخمسة أمتار، ويتوسطه فناء بطول 52 متراً وعرض 24 متراً.

المعبد بناء بيضوي مرتفع، يبلغ محيط سوره نحو 300 متر، وارتفاعه يزيد على 15 متراً، وبُني بأحجار مصقولة ومتلاحمة بعناية. وتحكي مئات النقوش المكتشفة فيه عن دوره الديني والسياسي البارز، إذ جرى اكتشاف أكثر من 300 نقش تتنوع بين نصوص قانونية واقتصادية واجتماعية ودينية وعسكرية، إضافة إلى مكتبة أثرية تُعدّ من أكبر المكتبات التوثيقية في تاريخ جنوب الجزيرة العربية.

وحظي معبد أوام باهتمام بعثات ومؤسّسات غربية منذ منتصف القرن الماضي. ففي عامَي 1951–1952، نفّذت المؤسسة الأميركية لدراسة الإنسان، بقيادة ويندل فيليبس، حفريات جزئية شملت أعمدة المعبد وتنظيف قاعة المدخل وتسجيل اكتشافات مهمة، كما وثّق الباحث الأميركي ألبرت جام نحو 300 نقش مسندي من داخل المعبد، وفكّها وترجمها إلى الإنكليزية في كتاب صدر عام 1962 بعنوان "نقوش مسندية من محرم بلقيس"، وهو عمل مرجعي لم يُترجم إلى العربية حتى اليوم.

في سياق متصل، كشف الباحث اليمني المختص بالآثار عبدالله محسن عن استمرار عمليات النهب والعبث بمعبد أوام ضمن عمليات منظّمة تهدد بتدميره بالكامل. وقال محسن، في منشور على منصة إكس، إنّ مدير مكتب الآثار في مأرب كان قد صرّح عام 2021 بأن المعبد تعرض لـ"نهب مهول"، مشيراً إلى أن التطور الأخطر تمثّل في تهريب جدارية أثرية ضخمة تزن نحو طنَّين، خرجت من مأرب وعبرت عدداً من النقاط الأمنية من دون اعتراض، قبل أن تُضبط في منفذ شحن الحدودي مع سلطنة عُمان.

وكانت "يونسكو" قد أدرجت، في أواخر يناير/كانون الثاني 2023، معالم مملكة سبأ القديمة في مأرب على قائمة التراث العالمي المعرّض للخطر، في خطوة عكست حجم التهديدات التي تواجه هذا الإرث الإنساني.

ما يحدث في معبد أوام ليس سوى جزء من مشهد أوسع لنهب الآثار اليمنية منذ اندلاع الحرب عام 2015. فقد أصدر مركز الهدهد للدراسات الأثرية تقريراً بعنوان "ذاكرة اليمن الأثرية بين التهريب والتغريب"، رصد فيه عرض وبيع نحو 4.265 قطعة أثرية يمنية في ستّ دول غربية خلال الفترة من 1991 إلى 2022، عبر 16 دار مزادات أميركية وأوروبية.

وبيّن التقرير تصاعد وتيرة بيع الآثار خلال سنوات الحرب، إذ بيع نحو 2.610 قطع، منها 2.167 قطعة في الولايات المتحدة وحدها، تجاوزت قيمتها 12 مليون دولار، كما أشار إلى احتواء سبعة متاحف عالمية على 1.384 قطعة أثرية يمنية مهربة ومسروقة.

يرى باحث الآثار وأستاذ الآثار المشارك بجامعة صنعاء، علي طعيمان، أنّ ما حدث في معبد أوام "مؤسف للغاية"، ويعكس جهلاً بقيمة هذه المواقع وما تمثله من هوية ثقافية وحضارية لليمن. ويقول، في تصريح لـ"العربي الجديد"، إنّ العبث ناتج عن ضعف الوعي المجتمعي، والبطالة، وغياب الإرشاد، وعدم إدراك الأهمية الاقتصادية والسياحية المستقبلية لهذه الآثار.

ويضيف طعيمان أن حماية المواقع الأثرية تقع قانونياً على عاتق الهيئة العامة للآثار والمتاحف ووزارة الثقافة، مع دور مكمل للسلطات المحلية، مؤكداً أن فتح المواقع دون تنظيم للزيارات أو ضبط للبوابات أو برامج توعية، يفاقم الانتهاكات، كما أشار إلى أن إدراج الموقع على قائمة التراث العالمي المعرّض للخطر يفرض على اليمن التزامات قانونية، من بينها تقديم تقارير سنوية عن حالة الحفظ، ووضع خطط حماية تُرفع إلى "يونسكو" والمنظمات الداعمة.

إلى ذلك، قال مندوب اليمن لدى منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (يونسكو)، محمد جميح، إنّ إدراج أي موقع أثري على قائمة التراث العالمي "لا يمنح الدولة صكاً على بياض من المنظمة الدولية"، بل يترتب عليه التزام مشترك بين الدولة المعنية ومنظمة يونسكو، باعتبارها إحدى وكالات الأمم المتحدة.

وأوضح جميح، في تصريح خاص لـ"العربي الجديد"، أن الدولة التي وقّعت على اتفاقية حماية التراث العالمي لعام 1972، وجرى إدراج أحد مواقعها ضمن قائمة التراث العالمي، تترتب عليها التزامات واضحة، في مقابل التزامات أخرى على عاتق "يونسكو"، تشمل الإسهام في أعمال الترميم، وعمليات التأهيل والتدريب، ودعم جهود الحماية، إضافة إلى تنفيذ برامج لرفع مستوى الوعي المجتمعي بأهمية المواقع الأثرية.

وأشار إلى أن مسؤولية الحماية الأمنية وإدارة المواقع الأثرية تقع بالدرجة الأولى على عاتق الدولة والسلطات المحلية، مؤكداً أن "يونسكو لا يمكن أن تتحمل مسؤولية الأمن"، وأضاف: "المشكلة في اليمن أنه لا توجد، على سبيل المثال، شرطة متخصّصة بالآثار، وهو ما يمثل فجوة كبيرة في منظومة حماية التراث".

وبيّن أن وجود جهاز متخصّص، مثل شرطة الآثار، من شأنه أن يتيح لـ"يونيسكو" تقديم الدعم الفني اللازم، من خلال تدريب وتأهيل الكوادر على كيفية التعامل مع المواقع الأثرية، وتنظيم حركة الزوار، وتشديد الإجراءات الحمائية، فضلاً عن دعم المؤسّسات اليمنية المختصة إدارياً، مثل مكاتب الآثار، وهيئات العقار، والهيئة العامة للمدن التاريخية.

ولفت جميح إلى أنّ الحرب في اليمن أثّرت مباشرةً على مواقع التراث، موضحاً أن بعض المواقع تضرّرت بفعل العمليات العسكرية، في حين أن مواقع أخرى، لم تصلها الحرب، تأثرت بالإهمال الذي يُعد بدوره إحدى نتائج الصراع، وأضاف أن الحرب أسهمت في تكريس واقع سيّئ تمثل في توسّع عمليات الاتجار بالآثار، وتراجع القبضة الأمنية على المواقع، ووجود "ضعاف نفوس" يتاجرون بالموروث الثقافي، إلى جانب تدني مستوى الوعي المجتمعي.

وختم مندوب اليمن لدى "يونسكو" بالتأكيد أن دور المنظمة الدولية يجب أن يتركز على دعم الجوانب الإدارية والفنية، ورفع مستوى الوعي المجتمعي، والمساعدة في بناء القدرات، مشدداً على أن "المسؤولية الأمنية لحماية الآثار تبقى مسؤولية الدولة والسلطات المحلية، وليست مسؤولية يونسكو".