كتب: اللواء الركن فرج سالمين البحسني:
ببالغ الحزن والأسى، وبقلوب مؤمنة بقضاء الله وقدره، أنعى إلى شعبنا في الجنوب، وإلى أبناء اليمن كافة، رحيل الرئيس السابق لجمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية، المناضل علي سالم البيض، أحد أبرز رجالات التاريخ السياسي الجنوبي، وأحد الشهود الكبار على أهم التحولات المصيرية التي مر بها وطننا في العصر الحديث.
برحيله، لا نفقد شخصية سياسية فحسب، بل نودّع مرحلة كاملة من تاريخ الجنوب، بكل ما فيها من نضال وألم، ومن آمال كبرى وانكسارات قاسية. نودّع رجلًا كان حاضرًا في لحظات القرار الكبرى، وتحمل تبعات مواقفه، ودفع ثمنها من عمره واستقراره، وبقي ثابتًا على قناعته حتى آخر أيامه.
الثائر الذي أهداهم وطناً فأهدوه المنفى
اسم ارتبط بأكبر أحلام اليمنيين وبأكبر انكساراتهم في آن واحد، هو الرجل الذي حمل مفاتيح دولة الجنوب على أكفه وذهب بها إلى صنعاء بقلب مفتوح مؤمن بأن الوحدة هي قدر الأحرار.
بدأ حياته مقاتلا في صفوف الجبهة القومية ضد الاستعمار البريطاني ولم يقرأ الثورة في الكتب بل عاشها في جبال ردفان وشوارع عدن إلى أن أصبح الرجل الأول في الجنوب فلم يغره الكرسي بل كان مسكوناً بهاجس الوحدة العربية وهو الهاجس الذي دفعه لاتخاذ القرار الشجاع والقاسي تاريخياً بدمج دولتين في كيان واحد في الثاني والعشرين من مايو عام 1990م.
غادر البيض وطنه مكرهاً وعاش في منفاه صامداً حتى عاد ليجهر بصوته مجدداً مع انطلاق الحراك الجنوبي في 2007م مطالباً بحق الشعب الجنوبي في تقرير مصيره. رحل بجسد غريب عن تراب الوطن واليوم في السابع عشر من يناير 2026 يسدل الستار عن حياة هذا القائد المثير للجدل حيث وافته المنية بعيدا عن تراب وطنه الذي ضحى من أجله ليبقى في ذاكرة التاريخ كالقائد الذي صدق حين كذب الآخرون والذي منح الثقة لمن لا يعرف معنى الوفاء بالعهود.
البدايات الأولى.. الوعي الوطني وسنوات التشكّل
وُلد الفقيد علي سالم البيض في محافظة حضرموت عام 1939، ونشأ في بيئة وطنية تشكل وعيها السياسي في ظل الاستعمار البريطاني لعدن، وفي زمنٍ كانت فيه فكرة التحرر الوطني تتقد في صدور الشباب، وتشكّل وجدان جيلٍ كامل حمل حلم الاستقلال والسيادة. ومنذ سنواته المبكرة، انخرط في العمل الطلابي والوطني، وتأثر بأفكار حركة القوميين العرب، قبل أن يكون من الكوادر التي التحقت مبكرًا بـ الجبهة القومية لتحرير جنوب اليمن المحتل، تلك الجبهة التي قادت واحدة من أعقد وأشرس معارك التحرر الوطني في المنطقة.
الجبهة القومية.. أيام النار والقرار
لم تكن سنوات الجبهة القومية مرحلة شعارات أو خطابات، بل كانت سنوات دم وتضحيات، حمل فيها رجالها أرواحهم على أكفهم في مواجهة قوة استعمارية عاتية. وفي تلك المرحلة، كان علي سالم البيض واحدًا من أبناء الجيل الذي آمن أن الحرية لا تُمنح، بل تُنتزع.
شارك البيض في العمل التنظيمي والسياسي للجبهة، وأسهم مع رفاقه في بناء البنية القيادية التي قادت الكفاح المسلح، حتى تحقق الاستقلال الوطني في 30 نوفمبر 1967، وهو اليوم الذي مثّل تتويجًا لنضال طويل، وبداية مرحلة جديدة لا تقل صعوبة عن مرحلة التحرر.
بعد الاستقلال.. بناء الدولة وتحديات الحكم
مع فجر الاستقلال، انتقل البيض، كما غيره من قادة الجبهة، من ساحات النضال إلى مواقع المسؤولية. وكانت مهمة بناء الدولة الجنوبية مهمة بالغة التعقيد، في ظل واقع اقتصادي هش، وتدخلات خارجية، وصراعات داخلية حادة.
تدرّج الفقيد في مواقع قيادية داخل الدولة والحزب، وصولًا إلى مواقع عليا في الحزب الاشتراكي اليمني، وشارك في صياغة القرار السياسي خلال واحدة من أكثر الفترات حساسية في تاريخ الجنوب، وهي فترة شهدت إنجازات في بناء مؤسسات الدولة، كما شهدت في الوقت ذاته صراعات مؤلمة تركت جراحًا عميقة.
ما بعد أحداث يناير 1986.. القيادة في زمن الانقسام
مثّلت أحداث يناير 1986 محطة قاسية في تاريخ الجنوب، أعادت تشكيل المشهد السياسي بالكامل. ومن رحم تلك المرحلة العاصفة، صعد علي سالم البيض إلى موقع القيادة العليا، ليصبح الأمين العام للحزب الاشتراكي اليمني، وقائد الدولة في سنواتها الأخيرة.
كانت تلك المرحلة محكومة بظروف إقليمية ودولية معقدة، وبانهيار المنظومة الاشتراكية عالميًا، وهو ما فرض على قيادة الجنوب البحث عن خيارات استراتيجية جديدة، في مقدمتها خيار الوحدة اليمنية.
الوحدة اليمنية.. حلم الدولة الواحدة
في 22 مايو 1990، وقّع علي سالم البيض، إلى جانب الرئيس علي عبدالله صالح، وثيقة إعلان الوحدة اليمنية، وتولى منصب نائب رئيس الجمهورية. كانت تلك اللحظة، في نظر كثيرين، ذروة المشروع الوطني، وحلمًا طال انتظاره، دخل فيه الجنوب شريكًا كاملًا، لا تابعًا ولا ملحقًا.
وقد خاض البيض تلك التجربة وهو يؤمن بأن الوحدة يمكن أن تكون مدخلًا لدولة عادلة، تقوم على الشراكة والتوازن، وتحترم خصوصيات الجنوب وتضحياته.
ما بعد الوحدة.. من الشراكة إلى الأزمة
سرعان ما بدأت الاختلالات تظهر في بنية الدولة الجديدة، حيث تصاعدت الخلافات السياسية، وبرزت ممارسات أضعفت الثقة، وبدأت الشراكة تتآكل، لتدخل البلاد مرحلة من التوتر والاحتقان.
وفي عام 1993، انسحب علي سالم البيض من صنعاء إلى عدن، في خطوة عبّرت عن عمق الأزمة السياسية، وعن شعور متزايد بأن مشروع الوحدة يسير في اتجاه لا يحقق التوازن المنشود.
1994 حمل القضية الجنوبية
في 21 مايو 1994، أعلن علي سالم البيض فك الارتباط، في لحظة تاريخية مفصلية، جاءت تتويجًا لمسار من الصراع السياسي الذي انتهى بحرب صيف 1994، وما أعقبها من هزيمة عسكرية وخروج الجنوب من معادلة الشراكة.
ومنذ ذلك التاريخ، حمل البيض القضية الجنوبية على كتفيه، لا بوصفها شعارًا عابرًا، بل بوصفها قضية شعب شعر بالهزيمة والإقصاء. ورغم المنفى الطويل، ظل صوته حاضرًا في الوعي الجنوبي، ورمزًا سياسيًا لمرحلة ما بعد 1994.
سنوات المنفى والثبات على الموقف
عاش الفقيد سنوات طويلة في المنفى، بعيدًا عن وطنه وأرضه، وهي سنوات لم تكن سهلة، لكنها كشفت عن جانب مهم من شخصيته: الثبات على القناعة.
لم يساوم على موقفه، ولم يبحث عن تسويات شخصية، وبقي متمسكًا بما كان يراه حقًا سياسيًا وتاريخيًا للجنوب، حتى وإن اختلف معه البعض في الوسائل أو التقدير.
كلمة إنصاف وشهادة للتاريخ
إن الحديث عن علي سالم البيض لا يكتمل دون الاعتراف بأنه كان رجل قرار، لا رجل تردد، وأنه تحمّل نتائج خياراته كاملة، قد نختلف حول تقييم بعض محطاته، لكن لا يمكن إنكار دوره في مسيرة التحرر الوطني، ومسؤوليته في بناء الدولة الجنوبية، وشراكته في تحقيق الوحدة اليمنية، وحمله المتواصل للقضية الجنوبية منذ عام 1994.
مواقف جمعتني بالفقيد الراحل
عرفت الرئيس الراحل علي سالم البيض مباشرةً مع أول لقاء جمعني به عام 1975م بعد تخرجي من الكلية العسكرية ضمن مجموعة من الضباط الشباب كما التقيت به في عدة مناسبات وفي ظروف مريحه وفي ظروف صعبه. لكنني أريد أن أسجل أن الجنوب خلال حقبة الستينيات والسبعينات والثمانيات من القرن الماضي كان يتمتع بقادة كبار يضعون مصلحة الوطن قبل كل مصلحة وهنا يجب الإشارة إلى ان علي سالم البيض كان حريصًا على المال العام بدرجة كبيرة جعلته يستنكر بعد الوحدة تصرفات المسؤولين في اعلى هرم الدولة، فأطلق على تلك التصرفات عبارته الشهيرة "دولة مرو بصرف" أي الصرف من خزينة الدولة غير مبرر، كما أسجل شهادتي على إصراره على حقوق شعبه وهنا يجب الإشارة على عبارته الشهيرة أيضا "لن نخذلكم ابدًا".
جمعني به لقاء تاريخي يبقى في الذاكرة، حيث جرى بيني وبينه حوار في مرحلة هامة من مراحل تطور الدولة في الجنوب كانت اسئلته متواضعة في الشكل عميقه في المضمون. هذا الحوار امتد لحوالي ساعة، شعرت فيه بروح القائد الذي لا يمكن أن يساوم في القضايا الوطنية ولا يمكن ان يرضى بغير الفوقية هكذا قالها بالعامية في نهاية مقابلتنا "لن نرضى بالدونية يا بو سالمين".
لقد اختار الرئيس علي سالم البيض أن يعيش آخر سنوات على أرض زايد الطاهرة ووافته المنية على هذه الأرض واحتضن بترابها جثمانه الطاهر وهذا تشريف كبير لعيال زايد. رحل أبا فيصل عنا لكن روحه وقيمه النضالية لم ترحل، فإذا كان أبا فيصل يحمل قضية الجنوب على أكتافه كل هذه السنوات فاليوم يعلن شعب الجنوب تحمله هذه المسؤولية وفاءً لهذا القائد العظيم.
خاتمة رثائية
برحيل الرئيس علي سالم البيض، تطوى صفحة ثقيلة من تاريخ الجنوب، صفحة كُتبت بالدم والقرارات الصعبة والمنفى الطويل. رحل رجلٌ عاش كبيرًا في حضوره، ومثيرًا للجدل في مواقفه، وثابتًا في قناعته، ولم يكن يومًا على هامش التاريخ.
إننا اليوم، ونحن نودّعه، مدعوون لأن نقرأ تجربته بعين الحكمة لا الخصومة، وبروح المسؤولية لا الثأر السياسي، وأن نحفظ للرجال أقدارهم، وللتاريخ صدقه.
رحم الله علي سالم البيض، وغفر له، وجعل مثواه الجنة، وألهم أهله ومحبيه وأبناء الجنوب جميعًا الصبر والسلوان.