في الوجدان اليمني الأصيل، لا يمكن الفصل بين رائحة الطين بعد المطر وبين نبضات القلب المحب. هذه الوحدة العضوية بين "الإنسان" و"الأرض" لم يجسدها فنان كما فعل قيثارة اليمن، أيوب طارش عبسي. في أغانيه، المطر ليس مجرد ظاهرة مناخية، والحب ليس مجرد عاطفة عابرة، بل هما وجهان لعملة واحدة اسمها "الحياة والوفاء".
_*المطر.. رسول اللقاء ورمز الجمال*_
حين يغني أيوب "مطر مطر والضُّبى بينه"، فهو لا يصف مشهداً طبيعياً فحسب، بل يرسم لوحة "غزلية ريفية" باذخة الجمال. هنا تتحول الغزلان (الضُّبى) إلى رموز للجمال الإنساني الذي يبحث عن "مكنة" (ملجأ) من زهر المطر، فيتمنى الفنان في لحظة تجلي أن يكون "سقيفاً" يستظل به المحبون، أو "ندى" يلثم خدود الورد. المطر عند أيوب هو "خيرٌ يبعث الهناء في القلوب"، وهو الغسيل الروحي الذي يسبق سقيا الزرع.
_*الحب في "باكر غبش": فلسفة العطاء*_
وفي رائعته "هوى الوديان"، ينقلنا أيوب إلى فلسفة "الحب المُنتِج". الحب لديه لا يعيش في الغرف المغلقة، بل ينبت في "الواديين" مع تباشير الفجر. يقول: "هيا بنا.. نزرع هوانا"؛ وهي دعوة تحول العاطفة إلى فعل زراعة، والصبر إلى حصد للأفراح. الحبيبة في أدبيات أيوب والشاعر عثمان أبو ماهر هي الغيث، والحبيب هو الأرض، وفي هذا التلاحم تولد الحياة ويورق الشجر.
_*صوت الأرض والارتقاء بالروح*_
إن عبقرية أيوب طارش تكمن في أنه جعل "الفلاح" عاشقاً مثقفاً بعواطفه، وجعل "العاشق" فلاحاً مرتبطاً بترابه. لم يغنِّ للحب المعزول عن الواقع، بل غناه وهو "باكر غبش"، مع صياح الحجر وتفتح جفن الفجر، ليؤكد أن العمل والنشاط هما أسمى صور الحب والوفاء للوطن.
_*الخاتمة*_
إننا حين نستمع لأيوب طارش، لا نجد أنفسنا أمام مجرد مطرب يغني للوجدان، بل أمام فيلسوفٍ صاغ بلهجته العذبة علاقة مقدسة بين القلب والتربة. ولعل تلخيص كل ما قيل عن المطر والحب والأرض في مسيرته، يكمن في ذلك البيت العبقري الذي صاغه في "هوى الوديان":
_**"أنتِ المطر.. وأنا الثرى والصبابة
أنتِ الزهر.. وأنا الندى والسحابة**_
هي دعوة دائمة لنا جميعاً؛ لكي نكون كالثرى في وفائنا للأرض، وكا لمطر في عطائنا لمن نحب، ليبقى اليمن أخضراً في قلوبنا، تماماً كما هو باقٍ وخالدٌ في صوت أيوب.