لم يكن ما شهدته محافظة أبين السبت مجرد لقاء قبلي اعتيادي أو فعالية اجتماعية عابرة تنتهي بانتهاء الكلمات والصور التذكارية، بل بدا أقرب إلى إعلان سياسي واجتماعي واسع بأن المحافظة التي أنهكتها الحروب والصراعات بدأت تبحث بجدية عن طريق مختلف، عنوانه الدولة والاستقرار والتنمية. ففي بلد تتآكل فيه مؤسسات الدولة يوماً بعد آخر، وتتصاعد فيه الانقسامات والمشاريع المتصارعة، بدت أبين وهي تجمع مشايخها ووجهاءها وقبائلها خلف السلطة المحلية وكأنها تحاول إعادة رسم صورتها السياسية والاجتماعية من جديد، وإرسال رسالة واضحة بأنها تريد الخروج من دائرة الفوضى الطويلة التي أرهقتها.
إن أهمية هذا الحدث لا تكمن فقط في حجم الحضور القبلي أو البنود التي تضمنها “ميثاق الشرف القبلي”، بل في طبيعة اللحظة التي جاء فيها. فأبين ليست محافظة عادية في الوعي السياسي اليمني؛ إنها واحدة من أكثر المحافظات التي دفعت أثماناً باهظة خلال العقود الماضية، سواء في الحرب ضد التنظيمات المتطرفة أو في مواجهة الحوثيين أو حتى في الصراعات البينية التي عصفت بالمناطق المحررة. وعلى امتداد سنوات طويلة، ظلت المحافظة حاضرة في عناوين الأخبار بوصفها ساحة توتر وصدام، بينما غابت قصصها المتعلقة بالتضحيات أو محاولات النهوض أو رغبة أبنائها في استعادة الاستقرار.
ولهذا فإن انعقاد لقاء قبلي واسع بهذا الحجم، وتحت شعار “أبين أولاً.. هيبة تُصان وتنمية تُبنى”، يحمل دلالة أعمق من مجرد نشاط تنظيمي. فالشعار نفسه يكشف عن طبيعة الأولويات الجديدة التي تحاول السلطة المحلية بقيادة الدكتور مختار الرباش ترسيخها: استعادة هيبة الدولة أولاً، ثم الانتقال إلى معركة التنمية وبناء الخدمات. وهذه معادلة تبدو شديدة الأهمية في السياق اليمني الحالي، لأن كثيراً من المناطق سقطت في فخ الصراعات السياسية والعسكرية إلى درجة تراجعت معها فكرة التنمية والخدمات إلى الهامش، بينما أصبح الهم الأمني وحده هو المسيطر على المشهد.
لكن أبين تحاول هنا أن تقول إن الأمن ليس هدفاً قائماً بذاته، بل بوابة لإعادة بناء الحياة الطبيعية. ولهذا لم يكن غريباً أن تركز كلمات المشايخ والوجهاء خلال اللقاء على قضايا المياه والكهرباء والتعليم والصحة والاستثمار، لأن الناس في النهاية لا يقيسون نجاح أي سلطة بحجم الشعارات، بل بقدرتها على تحسين حياتهم اليومية وإعادة الأمل إليهم بعد سنوات من الانهيار.
التحول الأهم في هذا المشهد يتمثل في طبيعة العلاقة الجديدة التي يجري بناؤها بين القبيلة والدولة. فعلى مدى سنوات طويلة، كانت العلاقة بين الطرفين في اليمن محكومة بحالة من الشك والتنافس وأحياناً الصدام، وغالباً ما كانت القبيلة تُقدَّم باعتبارها بديلاً عن الدولة أو خصماً لها. لكن ما حدث في أبين كشف عن محاولة مختلفة تقوم على تحويل القبيلة من عامل ضغط أو توتر إلى شريك مباشر في حماية الأمن والاستقرار ودعم التنمية.
وهنا تبرز أهمية البنود التي تضمنها “ميثاق الشرف القبلي”، خصوصاً ما يتعلق برفض إيواء العناصر التخريبية، والتصدي لقطع الطرقات، ودعم الأجهزة الأمنية، وحماية المشاريع الاستثمارية والمنظمات. فهذه البنود تعني عملياً أن القبائل قررت أن تمنح الدولة غطاءً اجتماعياً واسعاً للتحرك، وهو أمر بالغ الأهمية في بيئة يمنية معقدة لا تستطيع فيها أي سلطة أن تنجح دون حاضنة مجتمعية حقيقية.
كما أن دعوة المحافظ الرباش إلى صلح قبلي لمدة عامين في قضايا الثأر ليست مجرد مبادرة اجتماعية تقليدية، بل خطوة تحمل بعداً سياسياً وأمنياً عميقاً. فالثأرات في اليمن لم تعد مجرد نزاعات قبلية محدودة، بل تحولت في كثير من الأحيان إلى ثغرات تنفذ منها الفوضى والجماعات المسلحة والصراعات السياسية. وبالتالي فإن أي نجاح في تخفيف حدة هذه النزاعات يعني عملياً تقوية الجبهة الداخلية للمحافظة وخلق بيئة أكثر استقراراً تسمح بعودة المشاريع والاستثمارات والخدمات.
ويبدو واضحاً أن المحافظ مختار الرباش يحاول منذ توليه المسؤولية تقديم نموذج مختلف في إدارة المحافظة، يقوم على التقارب مع المجتمع المحلي وعدم الاكتفاء بالإدارة المكتبية التقليدية. فالرجل يدرك على ما يبدو أن أبين لا تحتاج فقط إلى مسؤول يدير الملفات اليومية، بل إلى شخصية قادرة على إعادة بناء الثقة بين الناس والدولة بعد سنوات طويلة من الإحباط والتهميش والانقسامات.
ولعل اللافت في المشهد أيضاً هو حجم الالتفاف الذي أبداه مشايخ ووجهاء المحافظة حول السلطة المحلية، وهو أمر لم يكن مألوفاً بهذا الشكل منذ سنوات. فحين يقول الشيخ أحمد القفيش إن أبناء أبين يقفون اليوم خلف المحافظ الرباش بإجماع واسع، فإن ذلك يعكس إدراكاً متزايداً لدى المجتمع الأبيني بأن استمرار حالة التشظي لن يخدم أحداً، وأن المحافظة بحاجة إلى حالة اصطفاف داخلي تعيد لها حضورها السياسي والتنموي.
هذا الالتفاف يحمل في طياته رسالة سياسية مهمة إلى الداخل والخارج. فالداخل اليمني الذي اعتاد رؤية أبين في صورة المحافظة المنهكة بالصراعات، يشاهد اليوم محاولة لإعادة تقديمها بوصفها نموذجاً للتوافق والتكاتف. أما الخارج، وخصوصاً التحالف العربي والجهات الدولية، فإنه يتلقى رسالة بأن هناك مجتمعاً محلياً مستعداً لحماية الاستقرار ودعم أي جهود تنموية حقيقية إذا ما توفرت الإرادة والدعم.
ومن المهم أيضاً الانتباه إلى أن محافظة أبين لا تطالب اليوم بامتيازات خاصة بقدر ما تطالب بفرصة عادلة للنهوض. فالمحافظة التي كانت في قلب معظم معارك الدفاع عن الدولة خلال السنوات الماضية، تشعر بأن الوقت قد حان لكي تحصل على نصيبها من التنمية وإعادة الإعمار والخدمات. ولهذا جاءت الدعوات خلال اللقاء إلى دعم أبين تنموياً بوصفها محافظة تعرضت لدمار واسع خلال خمسة عشر عاماً من الحروب والصراعات.
ورغم كل هذه المؤشرات الإيجابية، فإن الطريق أمام أبين لا يزال مليئاً بالتحديات. فالقوى التي استفادت من الفوضى خلال السنوات الماضية لن تنظر بعين الرضا إلى أي مشروع يعيد للدولة حضورها الحقيقي. كما أن التحديات الاقتصادية والخدمية تبقى هائلة في ظل الوضع العام الذي تعيشه البلاد. لكن ما يمنح هذا الحراك أهميته هو أنه يحاول بناء معادلة مختلفة تقوم على التوافق المجتمعي والشراكة الداخلية، لا على فرض القوة وحدها.
وفي الحقيقة، فإن أكثر ما يميز ما جرى في أبين هو أنه أعاد طرح سؤال جوهري حول مستقبل المحافظات اليمنية: هل يمكن للمجتمع المحلي أن يتحول إلى شريك في بناء الدولة بدلاً من أن يكون جزءاً من الصراع عليها؟ وما يحدث اليوم في أبين يبدو وكأنه محاولة للإجابة على هذا السؤال عملياً، عبر إعادة توجيه طاقة القبيلة والمجتمع نحو حماية الاستقرار بدلاً من استنزافه.
لهذا فإن اللقاء القبلي الأخير في أبين لا ينبغي النظر إليه كحدث محلي محدود، بل كإشارة سياسية واجتماعية مهمة تعكس وجود رغبة حقيقية لدى أبناء المحافظة في طي صفحة الفوضى والانقسامات، والانتقال نحو مرحلة جديدة عنوانها الدولة والتنمية والشراكة المجتمعية. وربما تكون القيمة الأكبر لهذا المشهد أنه أعاد للأذهان صورة أبين الحقيقية؛ المحافظة التي ظلت لعقود خزاناً وطنياً كبيراً، والقادرة ـ رغم كل ما مرت به ـ على النهوض مجدداً حين تتوفر الإرادة وتتوحّد الكلمة.