لا يمكن الحديث عن دولة قوية ما لم يكن المال العام فيها خطاً أحمر. فالمال العام ليس مجرد أرقام في الموازنات، ولا موارد تدار وفق أهواء السلطة أو موازين النفوذ، بل هو أمانة وطنية تمس حياة كل المواطنين ، وتحدد ملامح مستقبل الأجيال القادمة.
تبدأ المشكلة حين يُتعامل مع المال العام بوصفه غنيمة لا مسؤولية. عندها لا يعود التفريط به خطأً إدارياً عابراً ، بل انحرافاً خطيراً يمس جوهر فكرة الدولة. فكل مبلغ يُنهب من المال العام يعني خدمة أقل، ومدرسة لا تُبنى، ومستشفى أضعف، وفرص عمل ضائعة كان يمكن أن تحسّن حياة الناس وتعزّز الاستقرار الاجتماعي.
ويرتبط نهب المال العام غالباً بضعف المحاسبة وتراجع دور مؤسسات الرقابة. فالفساد لا ينمو في الفراغ، بل يجد طريقه حين يتراخى تطبيق القانون، أو يُحمى المتجاوز بالنفوذ. وعندما تعجز الدولة عن محاسبة المعتدين على المال العام، فإنها ترسل رسالة خطيرة مفادها أن الإفلات من العقاب ممكن، وأن المصلحة الخاصة قد تتقدّم على المصلحة الوطنية دون ثمن.
ولا تقتصر آثار الفساد المالي على استنزاف الموارد، بل تمتد لتقويض الثقة بين المواطن والدولة. فعندما تُدار الثروات العامة لصالح فئة محدودة أو وفق اعتبارات شخصية أو حزبية او مناطقية ، يتآكل الإحساس بالعدالة، ويتحوّل الانتماء الوطني إلى شعور مثقل بالإحباط.
إن حماية المال العام ليست شعاراً أخلاقياً، بل شرطاً لبناء دولة حقيقية. دولة تُقاس قوتها بقدرتها على فرض القانون على الجميع، وبامتلاكها إرادة سياسية تضع المصلحة العامة فوق كل اعتبار. فالمال العام ملك للشعب، وحمايته واجب وطني لا يقبل التهاون، لأن الدولة التي تعجز عن حماية مالها، تعجز أولاً عن حماية مستقبلها.