بقلم: مصطفى غليس
تجمعني صداقة شخصية وعلاقة طيبة بأكثر من عشرة وزراء في حكومة الدكتور شائع الزنداني، الحكومة التي سبق إعلان تشكيلها مخاضٌ طويل، رافقته تكهنات واسعة بأسماء أعضائها، وتسريبات صحّ بعضها وخاب معظمها، في مشهد عكس حجم الاهتمام العام بهذه الحكومة وما يُعلّق عليها من آمال، وما ينتظرها في المقابل من تحديات جسيمة.
في حقيقة الأمر، لا توجد علاقة بين هذه الصداقات وموضوع هذا المقال أو فكرته، غير أنني أدرك أن الإشارة إليها قد تجذب انتباهًا أكبر للنص، فنحن – شئنا أم أبينا – نعيش في مجتمع يمنح ما هو شخصي اهتمامًا يفوق أحيانًا اهتمامه بالشأن العام.
ما أودّ الحديث عنه اليوم هو أن حكومة الزنداني، التي أدّت اليمين الدستورية اليوم في سفارة اليمن بالعاصمة السعودية الرياض أمام رئيس مجلس القيادة الرئاسي الدكتور رشاد العليمي، تتسلّم مهامها رسميًا في واحدة من أعقد اللحظات التي تمر بها اليمن منذ انقلاب الحوثي، لحظة تتقاطع فيها الأزمات الاقتصادية مع التفكك المؤسسي، ويتراجع فيها مستوى الخدمات إلى حدود تمس حياة الناس اليومية وكرامتهم.
هذه الحكومة، وكما هو معلوم للجميع، لا تبدأ عملها من أرضية مستقرة، بل من واقع مثقل بشحّ الموارد، واضطراب المالية العامة، وانقسام المؤسسات المالية والأمنية والعسكرية، إلى جانب تركة ثقيلة من الأزمات المتراكمة، سواء تلك التي خلّفتها حكومات سابقة، أو تلك التي فرضها الانقلاب الحوثي وما جرّه على البلاد من تدهور معيشي، وجوع، وانهيار واسع في بنية الدولة، وهو ما يجعل التحدي اليوم أكبر من أي وقت مضى.
أمام هذا المشهد المثقل بالتحديات، يصبح الحديث عن فرص نجاح حكومة الزنداني حديثًا مشروطًا بالواقع لا بالأماني، فالسؤال الحقيقي لا يكمن في النوايا ولا في السير الذاتية للوزراء، بل في البيئة السياسية والمؤسسية التي ستعمل فيها الحكومة، وفي حجم الدعم الفعلي الذي ستتلقاه، وفي قدرتها على تحويل اللحظة الصعبة إلى فرصة عمل، لا إلى شماعة جديدة تُعلّق عليها الإخفاقات.
فالحكومة، مهما امتلكت من كفاءات أو انسجام داخلي، لا تستطيع بمفردها معالجة إرث سنوات من الانقسام والشلل المؤسسي، ولا مواجهة أزمات مركّبة تشابكت فيها السياسة بالاقتصاد بالأمن. ومن هنا، فإن فرص نجاح حكومة الزنداني لا تُقاس فقط بما ستعلنه من خطط، بل بمدى قدرتها على العمل ضمن منظومة دولة واحدة، وبمدى استعداد بقية الأطراف لتحمّل مسؤولياتها وعدم ترك الحكومة وحيدة في مواجهة العاصفة
إن السؤال الجوهري الذي ظل يشغل يالي منذ ما قبل اعلان التشكيلة الحكومية، ليس فقط ماذا ينبغي على الحكومة أن تفعل لتنجح، بل ماذا ينبغي على الجميع فعله لإنجاحها، فالحكومة مهما امتلكت من نوايا أو كفاءات، لا يمكنها وحدها مواجهة هذا الإرث الثقيل من الانقسام والإنهاك، وبالتالي فان نجاحها او فشلها لن يكون شأنًا إداريًا محضًا، بل نتيجة مباشرة لطبيعة العلاقة بينها وبين بقية مكونات الشرعية والمجتمع.
ولعل من نافل القول إن هذه الحكومة تأتي في ظل شراكة سياسية ودعم إقليمي تقوده المملكة العربية السعودية، بوصفها الداعم الأبرز لشرعية الدولة اليمنية ومسار استعادة مؤسساتها، في شتى الجوانب ابتداء من المسار السياسي ومرورا بالعسكري والأمني وانتهاءًا بالاقتصادي والتنموي، وهو دعم يوفّر للحكومة مظلة سياسية وفرصة حقيقية للعمل والنجاح، متى ما أحسنت إدارتها والبناء عليها ضمن منطق الدولة والشراكة لا الاتكاء.
وفي سياق البحث عن مقومات نجاح الحكومة الجديدة، بأدواتها المخلية طرحت على "شات جي بي تي" سؤالين مباشرين: ماذا ينبغي على الحكومة فعله لتنجح في هذه المرحلة الحرجة؟ وعمّا يجب على بقية الأطراف، تحمّله من مسؤوليات لإنجاح الحكومة كلٌّ من موقع مسؤوليته؟
وقد جاءت الإجابة على النحو التالي:
في هذا الظرف الاستثنائي، ما ينبغي على الحكومة فعله لا يندرج في إطار الشعارات، بل في مسار عملي واضح يمكن تلخيصه في محاور مترابطة:
أولًا، تثبيت الجبهة الاقتصادية بوصفها أولوية قصوى، عبر توحيد القرار المالي والنقدي ما أمكن، وضبط الإنفاق العام، ووقف النزيف في الموارد، وإعادة الاعتبار لمؤسسات الدولة الإيرادية بعيدًا عن العبث والتجاذبات.
ثانيًا، تحريك الموارد السيادية المعطّلة وفي مقدمتها قطاع النفط والغاز والموانئ، والعمل سياسيًا ودبلوماسيًا لكسر القيود المفروضة على الصادرات، باعتبارها شريانًا رئيسيًا لبقاء الدولة وقدرتها على الوفاء بالتزاماتها.
ثالثًا، إعادة بناء الثقة داخليًا وخارجيًا، من خلال خطاب حكومي واحد، وإجراءات شفافة، ومكافحة جادة للفساد، بما يعيد ثقة المواطن أولًا، ويطمئن الشركاء الإقليميين والدوليين إلى جدية الدولة وقدرتها على الإصلاح.
رابعًا، تحسين الخدمات الأساسية بشكل عاجل، خصوصًا الكهرباء والمياه والرواتب، بوصفها معركة يومية تمس حياة الناس مباشرة، وأي إخفاق فيها يبدد الرصيد السياسي للحكومة مهما كانت نواياها.
خامسًا، إعادة ترتيب الملفين الأمني والعسكري تحت مظلة الدولة، وضبط تعدد مراكز القرار، لأن الاستقرار الاقتصادي والخدمي لا يمكن أن يتحقق في بيئة أمنية مفككة.
سادسًا، إدارة علاقة متوازنة مع مجلس القيادة الرئاسي والشركاء الإقليميين، قائمة على الوضوح وتحديد المسؤوليات، بما يضمن دعمًا سياسيًا واقتصاديًا مستدامًا، لا تدخّلًا مربكًا.
باختصار، المطلوب من الحكومة أن تبدأ بما هو ممكن وملموس، وأن تتقدم بخطوات صغيرة لكنها حقيقية، تُشعر المواطن أن الدولة عادت لتعمل، ولو في حدها الأدنى، وأن الأمل لم يعد مجرد وعد مؤجّل.
وفي رده عمّا يجب على بقية الأطراف تحمله من مسؤوليات لإنجاح الحكومة، كلٌّ من موقع مسؤوليته، جاءت الإجابة على النحو التالي:
إنجاح الحكومة في هذا الظرف الدقيق ليس مسؤولية مجلس الوزراء وحده، بل مسؤولية وطنية عامة تتوزع على الجميع، كلٌّ من موقعه ودوره، وفق منطق الدولة لا منطق الاصطفاف أو المكايدة:
أولًا، مجلس القيادة الرئاسي مطالب بتوفير الغطاء السياسي الكامل للحكومة، وحمايتها من الاستهداف والتجاذبات، وتوحيد الموقف داخل مؤسسات الشرعية، بما يضمن للحكومة مساحة فعل حقيقية لا تُقيدها الصراعات البينية.
ثانيًا، السلطات المحلية مطالَبة بالانتقال من دور المتلقي إلى دور الشريك، عبر تحصيل الموارد المحلية، وضبط الإيرادات، ومساندة الخطط الخدمية، والتعامل مع الحكومة باعتبارها مرجعية الدولة لا مجرد طرف سياسي.
ثالثًا، المؤسسة العسكرية والأمنية يقع على عاتقها تحييد الخلافات، والانضباط تحت مظلة الدولة، وتأمين المنشآت الحيوية وخطوط الإمداد، لأن الاستقرار شرطٌ سابق لأي تعافٍ اقتصادي أو خدمي.
رابعًا، القوى السياسية مطالَبة بتغليب منطق الدولة على الحسابات الضيقة، ودعم الحكومة في معارك الإصلاح الصعبة، لا استثمار الإخفاقات أو عرقلة القرارات بحثًا عن مكاسب آنية.
خامسًا، القطاع الخاص ورجال الأعمال شركاء أساسيون في مرحلة التعافي، عبر إعادة تدوير رأس المال داخل البلد، ودعم الاستثمارات المنتجة، والالتزام بالواجبات الضريبية والجمركية بعيدًا عن التهرب والمضاربة.
سادسًا، الإعلام والنخب الثقافية مسؤولون عن ترشيد الخطاب العام، وكشف الفساد دون تهويل أو تسييس، وبناء رأي عام واعٍ يميّز بين النقد المسؤول والتخريب المعنوي.
سابعًا، المجتمع المدني والنقابات مطالبون بالضغط الإيجابي، ومراقبة الأداء، وحماية حقوق المواطنين، دون تحويل المطالب المشروعة إلى أدوات تعطيل أو فوضى.
وأخيرًا، المواطن نفسه جزء من معركة الإنقاذ، بالالتزام بالقانون، ورفض الفوضى، ودعم أي خطوة إصلاحية حقيقية، وعدم الانجرار خلف الإحباط أو الشائعات.
إن إنجاح الحكومة لا يتحقق بالتصفيق الأعمى ولا بالمعارضة الهدامة، بل بشراكة وطنية واعية، تدرك أن فشل الدولة كلفة يتحملها الجميع، وأن إنقاذها مصلحة لا تعلو عليها مصلحة.
مصطفى غليس