في أدبيات السياسة وفلسفة الحكم، لا تُستمد هيبة الحكومات من فخامة الحقائب الوزارية، ولا من بلاغة ديباجات البيان الحكومي، بل من حقيقة واحدة لا تقبل القسمة على اثنين... الجغرافيا هي القدر، والحضور هو الشرعية.
ومن هذا المنطلق الصارم، توضع حكومة الدكتور شائع الزنداني اليوم أمام مرآة الحقيقة الجارحة... أي سلطة تحاول إدارة أوجاع اليمن من وراء البحار، أو من أروقة الفنادق المترفة، لا تدير دولة، بل تدير وهماً سياسياً؛ فالسيادة لا تُمارَس عبر الشاشات، والشرعية التي لا تتنفس هواء عدن ولا تكتوي بلهيب شمسها، ستظل شرعية عرجاء، منقوصة، عاجزة عن ملامسة وجدان الأرض.
عدن ليست مجرد إحداثية على الخارطة، بل ترمومتر الوجود اليمني، والاختبار الأخلاقي والسياسي الحقيقي الاخير لجدية مجلس القيادة الرئاسي وحكومته الجديدة.
من أرصفتها المنهكة وحواريها المثقلة بالأزمات يُقاس نبض الدولة، وتُختبر قدرتها على فرض الأمن، وترميم ما تهشّم من جدار المؤسسات.
أما إدارة الدولة «عن بُعد»، فليست في العرف السياسي سوى تسليم طوعي للفراغ، ومنح صك مفتوح لقوى الأمر الواقع كي تتمدد بلا كلفة. الحكومة التي لا تتقاسم مع المواطن رغيف الخبز المُر، ولا تعيش أزمات الكهرباء والماء في قيظ الصيف، لن تفهم معنى المسؤولية، وستظل تقاريرها حبيسة الأدراج، بلا روح ولا أثر.
سنوات الحرب لقّنت اليمنيين درساً قاسياً لا يقبل التأويل... الدولة التي تغيب عن الميدان، تسقط من الذاكرة. وحين انكفأت السلطة عن أرضها، نبتت المليشيات كالفطر السام، وتحول المواطن إلى يتيم على موائد المتصارعين.
من هنا، فإن نجاح الزنداني وفريقه لا يبدأ من هندسة التعيينات ولا من إعادة تدوير الخطاب، بل من قرار سيادي شجاع يكسر طوق «المنفى الاختياري».
العودة إلى عدن يجب ألا تكون زيارة بروتوكولية لالتقاط الصور، بل استقراراً وجودياً، وبسطاً فعلياً للعمل المؤسسي، وإعادة اعتبار لمعنى الدولة وكرامة الكيان اليمني.
وعلى الصعيدين العسكري والأمني، تبدو الحقيقة أكثر فجاجة ووضوحاً؛ فالجيش لا يُقاد بالريموت كنترول، والأمن لا يُستعاد ببيانات التنديد.
إعادة هيكلة المؤسسات العسكرية وتوحيد قرارها وبناء عقيدتها الوطنية تتطلب وجود القيادة في مقدمة الصفوف، حيث تُصنع القرارات تحت ضغط الواقع لا رفاهية المسافة.
كل يوم يقضيه مسؤول خارج حدود وطنه هو، في الحسابات الباردة، رصيد مجاني يُضاف لمشروع الحوثي، ورسالة ضعف تُنهك معنويات المقاتلين في الثغور.
ختاماً، لا نطالب هذه الحكومة بمعجزات، ولا ننتظر منها بطولات خطابية تُسكِر السامعين ولا تُغيّر الواقع. نطالبها بشيء واحد فقط... الوجود... فالتاريخ لا يفتح صفحاته لمن يخشون مواجهة شعوبهم، ولا يخلّد من يدير الأزمات بالمراسلات.
اليمن اليوم لا يحتاج وزراء بياقات بيضاء، بل يحتاج رجال دولة يغرسون أقدامهم في تراب عدن، واليمن الكبير ويواجهون الحقيقة عارية بلا رتوش.
فالنجاح في هذه اللحظة الفارقة لا يُمنح كمنحة دولية، بل يُنتزع من قلب التحدي، وأولى خطوات انتزاعه أن تكون الحكومة حيث يجب أن تكون... بين الناس، في قلب العاصمة،المؤقتة، وعلى تماس مباشر مع الحقيقة… لا على هامشها.