آخر تحديث :Sun-12 Apr 2026-04:20PM

الحروب الحديثة من يملك السماء يملك المعركة

الإثنين - 02 مارس 2026 - الساعة 08:30 م
عدنان زين خواجه

بقلم: عدنان زين خواجه
- ارشيف الكاتب


لم تعد الحروب في القرن الحادي والعشرين تُحسم بزحف ألوية المشاة ولا بصليل الدبابات وحده، بل باتت ساحاتها الأولى غير مرئية: شيفرات، أقمار صناعية، برمجيات خبيثة، واختراقات إلكترونية تعيد رسم موازين القوى قبل أن تنطلق الرصاصة الأولى.

ما شهدته المنطقة في السنوات الأخيرة، سواء في المواجهات بين إسرائيل وإيران، أو في الساحات المرتبطة بقوى مثل حزب الله وأنصار الله، يعكس بوضوح أن التفوق الاستخباراتي والتقني أصبح سلاحًا استراتيجيًا يفوق أحيانًا تأثير القصف المباشر.

الاستخبارات أولًا… ثم النار

الاختراقات السيبرانية لم تعد مجرد تجسس على الاتصالات، بل تحولت إلى وسيلة لتعطيل أنظمة الرادار، التشويش على الطائرات المسيّرة، إرباك منظومات الدفاع الجوي، بل واستهداف قيادات الصف الأول عبر تتبع رقمي دقيق.

التحكم في أجهزة اتصال ميدانية، واختراق أنظمة تشغيل عسكرية، وإرباك البنية التحتية للقيادة والسيطرة (C4ISR)، كلها أدوات سبقت في كثير من المعارك دخول القوات البرية. الطائرات المسيّرة والصواريخ بعيدة المدى أصبحت أذرعًا تنفيذية لعمل استخباراتي وتقني يبدأ قبل أسابيع وربما أشهر من المواجهة العلنية.

من يمتلك التكنولوجيا يمتلك زمام المبادرة

الحرب الحديثة تقوم على ثلاثة أعمدة:

التفوق المعلوماتي (الاستخبارات والفضاء السيبراني).

الهيمنة الجوية والفضائية (المسيّرات، الأقمار الصناعية، أنظمة الإنذار المبكر).

القدرة على الضرب الدقيق بعيد المدى.

أما الألوية المدرعة والمشاة، فهي تأتي في مرحلة لاحقة، غالبًا لتثبيت مكاسب سبق أن حُسمت تقنيًا.

أين يقف العرب؟

السؤال الجوهري: هل تمتلك الدول العربية القدرة على مجابهة هذا النمط من الحروب؟

الواقع متباين. هناك دول تسعى بوضوح لتطوير قدراتها التقنية والعسكرية مثل مصر والجزائر والمملكة العربية السعودية، سواء عبر تحديث منظومات الدفاع الجوي أو الاستثمار في الصناعات العسكرية ونقل التكنولوجيا.

لكن في المقابل، تعرّضت جيوش عربية رئيسية خلال العقد الماضي لتفكك أو إنهاك عميق، كما حدث في العراق وسوريا وليبيا، ما أحدث فجوة استراتيجية في ميزان القوة الإقليمي.

هل يمكن إحياء مفهوم الدفاع العربي المشترك؟

تاريخيًا، وُقّعت اتفاقية الدفاع العربي المشترك تحت مظلة جامعة الدول العربية، لكنها بقيت في معظم الأزمات حبرًا على ورق.

في ظل طبيعة الحروب الحديثة، أي تعاون عربي فعال لن يكون قائمًا على تجميع أعداد الجنود، بل على:

إنشاء قيادة سيبرانية عربية مشتركة.

توحيد أنظمة الإنذار المبكر وتبادل المعلومات الاستخباراتية فورًا.

الاستثمار الجماعي في تكنولوجيا الفضاء والمسيّرات.

بناء صناعات عسكرية تقنية بدل الاكتفاء بالاستيراد.

الصمود في مواجهة الحروب العصرية

الصمود اليوم لا يعني فقط القدرة على الرد العسكري، بل يشمل:

حماية البنية التحتية الرقمية.

تأمين شبكات الطاقة والمياه والاتصالات.

امتلاك قدرة ردع سيبراني مضاد.

بناء كوادر علمية وتقنية وطنية.

الحرب الحديثة هي حرب عقول قبل أن تكون حرب سلاح. ومن لا يمتلك المعرفة الرقمية والبحث العلمي، سيجد نفسه متأخرًا حتى لو امتلك ترسانة تقليدية ضخمة.


المنطقة تدخل عصرًا تتقدم فيه الخوارزميات على المدافع، والاختراقات على الاجتياحات. أمام العالم العربي خياران: إما البقاء في دائرة الجيوش التقليدية وردود الفعل المتأخرة، أو التحول نحو بناء منظومة أمن قومي حديثة ترتكز على التكنولوجيا والتكامل الإقليمي.

في الحروب القادمة، لن يكون السؤال: كم عدد الجنود؟

بل: من يملك الكود… ومن يسيطر على السماء