آخر تحديث :السبت-07 مارس 2026-06:27ص

الدليل الرقمي وتحولات العدالة الجنائية: قراءة في دراسة فهد الداعري

الجمعة - 06 مارس 2026 - الساعة 07:04 م
د. مجيب الرحمن الوصابي

بقلم: د. مجيب الرحمن الوصابي
- ارشيف الكاتب


لم تعد الجريمة كما كانت من قبل؛ لم تعد تُرتكب في الأزقة المعتمة وحدها، ولا تُخفى آثارها في مسارح مادية يمكن تتبعها بالحواس. لقد انتقلت إلى فضاء آخر، فضاءٍ لا يُرى ولا يُلمس، لكنه يموج بالحركة والبيانات والإشارات. وفي هذا العالم الافتراضي، وُلد نوع جديد من الأدلة، هو الدليل الرقمي، الذي بات يحتل موقعًا متقدمًا في ساحات القضاء، ويثير في الوقت ذاته أسئلة عميقة حول طبيعته وحدوده وحجيته.


في هذا السياق تأتي دراسة الباحث فهد الداعري بعنوان "دور الدليل الرقمي في الإثبات الجنائي: دراسة مقارنة بين القانون اليمني والتونسي"، لتلامس قضية من أكثر قضايا العصر إلحاحًا وحساسية. فالكاتب لا يكتفي بعرض المفاهيم أو استعراض النصوص، بل يحاول أن يضع يده على نقطة التماس بين القانون والتقنية، بين النص التقليدي والواقع الرقمي المتغيّر.


تبدأ الدراسة من سؤال بسيط في ظاهره، عميق في جوهره: كيف يمكن للعدالة الجنائية أن تواكب عالمًا تغيّرت فيه طبيعة الجريمة وأدواتها؟ ومن هذا السؤال تتفرع بقية الإشكاليات، لتدور جميعها حول مكانة الدليل الرقمي، وشروط اعتماده، ومدى قدرته على الإسهام في تحقيق العدالة.


ما يلفت النظر في عمل الباحث هو عنايته الدقيقة بالبناء المفاهيمي. فهو لا يتعجل الحديث عن الحجية قبل أن يوضح المقصود بالدليل ذاته، ثم يميّز بينه وبين البيانات والمعلومات والبرمجيات، ويضع حدودًا فاصلة بين ما ينتجه الحاسوب آليًا وما يُخزَّن بفعل تدخل الإنسان. هذا التفكيك المفاهيمي يمنح الدراسة تماسكًا داخليًا، ويجنبها الوقوع في الخلط الذي شاب كثيرًا من الكتابات في هذا المجال.


وعندما ينتقل الباحث إلى المقارنة بين اليمن وتونس، تتضح قيمة المنهج الذي اعتمده. فهو يعرض واقع التشريع اليمني بقدر من الصراحة والموضوعية، مشيرًا إلى غياب قانون خاص ينظم الجرائم الإلكترونية، وإلى استمرار الاعتماد على القواعد التقليدية في الإثبات، رغم اختلاف البيئة التي تقع فيها الجريمة. وفي المقابل، يبرز التطور الذي شهده التشريع التونسي، خاصة مع صدور القانون عدد 54 لسنة 2022، الذي جاء استجابة لتحولات عميقة فرضها الواقع الرقمي. ومن خلال هذه المقارنة، تتشكل صورة واضحة للفجوة التشريعية بين النظامين، وللحاجة الملحّة إلى تحديث المنظومة القانونية في اليمن.


لا تقف الدراسة عند حدود النصوص، بل تتجاوزها إلى الحديث عن القاضي الجنائي، وعن اقتناعه، وعن العلاقة بين الحقيقة العلمية والحقيقة القضائية. وهنا يلمس القارئ بعدًا إنسانيًا في الطرح؛ فالتقنية، مهما بلغت دقتها، لا تُغني عن العقل الذي يقدّرها، ولا عن الضمير الذي يزنها. الدليل الرقمي، كما يصوره الباحث، ليس حقيقة مطلقة، بل أداة تحتاج إلى فهم سليم وإجراءات دقيقة وضمانات واضحة حتى تكتسب قوتها في ساحة القضاء


. لقد نجح الباحث فهد الداعري في أن يضع أمام القارئ لوحة متكاملة تعكس تحولات العدالة في زمن التقنية، وتؤكد أن القانون، إذا لم يتجدد، يفقد قدرته على حماية المجتمع وصون الحقوق.


في النهاية، تذكّرنا هذه الدراسة بأن العدالة ليست كيانًا جامدًا، بل فكرة حية تتطور مع تطور الإنسان ووسائله. وإذا كانت الجريمة قد وجدت لنفسها موطئ قدم في الفضاء الرقمي، فإن العدالة مطالبة بأن تلحق بها، لا لتطاردها فحسب، بل لتقيم توازنًا دقيقًا بين الأمن والحرية، وبين سلطة الدولة وكرامة الفرد. وفي هذا التوازن تكمن القيمة الحقيقية لأي تشريع، وأي دليل، وأي اجتهاد قضائي