أي نعم، سأكتب مُتعمِّدًا ذلك في الحماقة، حماقتي التي لا تكُفّ عن الضوضاء باستمرار في مُخيلتي المريضة، لتختزل كل ذلك الحُمق كتوريةٍ عن المجاز، والفصح عن ظاهر المعنى. إنني مستاءً وأشعر بالاستياء جراء ترويض ذلك الصدد، لعجز تقصيري وقلة حيلتي، عن إيفاء السرد حقه في النثر ربما، وربما لغير ذلك، ولا أدري أيهما كان أصوب.
ولكن، فمنذُ زمنٍ بعيد، وأنا أكتب الذمّ والفُكاهة والسُخرية في آنٍ واحد، أُقحم ذاتي وأقدح التوبيخ في هُراءً ما أنثر، إدراكًا مني بالسذاجة، وعلمًا عني بالجُبن الماكر وراء ذلك. وكالعادة مرارًا، أندفعُ لاهيًا ولاهثًا أُرنِّم مُعضلتي تلك الشيطانية، وأتشبث بذلك بارعًا آنذاك، وأتدفق عارمًا عندئذٍ كبحرٍ لا ينضب، كي أُفلسف مالا زهو له، ولم أمدح وغدًا قط.
لكنني هذه المرة سأكون مُختلفًا تمامًا، لا لشخصنة المعتاد، وإنما للغوص في لُجّ بحرٍ آخر، لأقُص حكايةٍ لا تُروى، وروايةٍ لا تُحكى، وأقصوصةٌ لا تُقال. هنا سأقطف من كل بستانٍ زهرة، ومن كل حديقةٍ وردة. سأسرقُ من كل ديوانٍ قصيدة، ثُمّ سأصمت هنا قليلاً، ولبرهةٍ واحدة، وبعدها سأتلو السلام على روح صديقي المُبجّل، الحصيف فائق الفطنة، ذات القامة الهامة، والإلهام النادر، جوهره على طرف لسانه، ومعدنه في تفانيه، لامعًا لا نظير له. إن نطق تُلامس الوّد من شفتيه، وإن صمت بانت ملامح الحكمة في تجلّياته، مثاليٌ لا يتوانى عن زلة تُرتكب أمامه، ولا يتنصل عن قول الفصل، كلامه معسول وفكره مصقول، وواحدًا لا يُكرر، ولا يُضاهى بحنكته وعبقريته، أو المقارنة به.
صنديدٌ فذّ، ومغوارًا بدهائه، يحملُ عقلاً سليمًا وصاحب ابتسامة عريضة. الجوكر الأول، والكنج المفضّل، وجنتلمان، من نوع أُحادي التميُّز، لا يُثنَّى، وكاريزما حداثة حصرية آنية متجددة. هكذا يبدو لي تقييمه.
قد أفضفض كثيرًا، ولا جدوى مما يحلو لي إيصاله، فغالبًا غالبًا ما تخونني اللغة في ذلك، ليس لشيءٍ غير أن القصد أكبر من اللغة نفسها، وليس لأن فلسفتي قاصرة، بل لأن كينونتك أكبر المقال، وأكبر من أن تُقال، ولأن البلاغة تمخضت بما في أحشائها فأنجبت عُقرًا، ولأن تطاولي لم يصل إلى الذروة في مُجاراة أُفقك، كان عقيمًا، ولأن صدر البيت من عجزه غير مُكتملاً، لم تكن قصيدتي حُبلى بتوصيفك، بل كانت محاولةٌ فاشلة، من إيلاج الفكرة في رحم الشعور، بلا نتيجة.
سأهمس في أذنيك سرًا، بأن الأصدقاء لا يُمدحون، ولا قدرة لنا بأن نفيهم حقهم، لأنهم عزيزون والأعزاء يتجذرون في الوجدان، ويتأصلون في الذاكرة، فهم دومًا يتملكون الفؤاد، ولهم مع الذكر أقاصيصٌ وحكايات، لا تكاد تغيب عن البال، ولا تفارق الذاكرة. إنه هوس التعلُّق بأشباهنا وقُرنائنا، أولئك المحظوظون بذلك الكم الهائل من الحفاوة في قلوبنا، فهم السراج المنير، والوهج الناصع، لغياهب العُتمة. وملاذًا شهيًا لمرارة الخيبة.
ولهذا السبب وحسب، يُفضّل أن أُسمي الكتابة حماقة، وإن كانت بغير ذلك، لقصدت بها صوب روح صديقي عمر. ههههه عفوًا يا عزيزي، فأنا يبدو كاتبٌ أحمق ربما. وهذا سببٌ آخر، يجعلني أتوانى بالهروب عن النص، بعيبه الناقص. فالأمر لن ينتهي هنا فحسب، لطالما قد يستغرق رواية. ولكن اعتبره محض هُراءً لا أكثر.
مودة وامتنان