آخر تحديث :الأحد-12 أبريل 2026-11:09م

مفاوضات الطرشان بين أمريكا وإيران… حين يصبح الوقت هو الإنجاز الوحيد

الأحد - 12 أبريل 2026 - الساعة 09:10 ص
م. صالح بن سعيد المرزم

بقلم: م. صالح بن سعيد المرزم
- ارشيف الكاتب


ليست المرة الأولى التي تُفتح فيها قنوات الحوار بين امريكا وايران، وليست المرة الأولى التي يُروَّج فيها أن الانفراج قريب، وأن التسوية على الأبواب، وأن المنطقة تستعد لمرحلة جديدة. لكن من يقرأ التاريخ جيدًا، يدرك أن ما يجري كثيرًا ليس مفاوضات لصناعة الحلول، بل مفاوضات لإدارة الوقت، وتمديد الأزمات، وشراء الأنفاس.


إن المدرسة السياسية الفارسية عبر قرون طويلة أتقنت فن التفاوض بوصفه أداة مناورة أكثر من كونه طريقًا للحسم. التفاوض عندهم كثيرًا ما يكون ساحة لتحسين المواقع، وإعادة التموضع، وكسب الزمن، لا لإنهاء النزاعات جذريًا. ولهذا لم يكن غريبًا أن تمتد الصراعات والمباحثات بين الدوله العثمانيه والدول الفارسية بمراحلها المختلفة لقرون طويلة، تتبدل فيها الوجوه، لكن تبقى الأنماط ذاتها: شد وجذب، هدنة مؤقتة، ثم عودة للتوتر.


أما امريكا، فهي تدخل المفاوضات غالبًا بعقلية الصفقة السريعة، والنتيجة القابلة للقياس، والجدول الزمني المحدد. وهنا يظهر التناقض الكبير: طرف يريد إنجازًا سياسيًا معلنًا، وطرف يرى أن إطالة المسار بحد ذاته إنجاز استراتيجي. ومن هنا تولد “مفاوضات الطرشان”؛ كل طرف يتحدث، لكن كل طرف يسمع ما يريد فقط.


لقد أثبتت تجارب المنطقة أن الاتفاقات الأكثر ثباتًا لا تنجح إلا حين يوجد وسيط قوي، وضامن قادر على فرض التزامات واضحة، ومصالح دولية تمنع العبث. وهذا ما ظهر في اتفاق 2023 بين السعوديه وايران برعاية صينيه، حيث كان للراعي الدولي وزنٌ سياسي واقتصادي يجعل التفاهم أكثر جدية، لا مجرد صور ومصافحات.


وهنا تبرز حكمة السعوديه، التي تعاملت مع تعقيدات الإقليم بعقل بارد، ورؤية بعيدة، وقدرة على قراءة التحولات قبل وقوعها. فلم تنجرّ إلى الفوضى، بل بنت بدائل استراتيجية، وعززت أدواتها الاقتصادية، ورسخت مكانتها كصانع توازن لا متلقٍ للأزمات. ولهذا أصبحت المملكة اليوم مركز ثقل إقليمي لا يمكن تجاوز دوره في أي معادلة تخص أمن المنطقة واستقرارها.


إن السؤال الحقيقي ليس: هل ستنجح مفاوضات أمريكا وإيران؟

بل: هل يريد الطرفان أصلًا حلاً نهائيًا؟ أم أن استمرار التفاوض أقل كلفة من الحسم؟


في الشرق الأوسط، كثير من الاجتماعات تبدأ بالابتسامات وتنتهي بالبيانات، لكن الواقع لا يتغير إلا حين يتوفر قرار حقيقي، وضامن حقيقي، وتوازن ردع حقيقي.


وحتى يحدث ذلك… ستبقى المفاوضات دائرة، والكلام كثيرًا، والنتائج قليلة. وهذه هي خلاصة “مفاوضات الطرشان”.