آخر تحديث :الأحد-12 أبريل 2026-11:09م

إيران.. دولة ظاهرة ومؤسسات موازية تحكم

الأحد - 12 أبريل 2026 - الساعة 06:01 م
د. سلطان مشعل

بقلم: د. سلطان مشعل
- ارشيف الكاتب


لم تُبنَ ما سميت بـ الجمهورية في إيران على نموذج الدولة الحديثة كما يُروَّج له ويُسوَّق لترسيخه وإنما بنيت وفق خلطة مزدوجة ومعادلة خطيرة أفضت إلى هيكلٍ أكثر خطورة! حيث أبقى على شكل الدولة لكنه أفرغها من المضمون.

فمنذ أن أطلق الخميني مشروعه السياسي تحت مظلة ولاية الفقيه لم يكن الهدف تأسيس مؤسسات دولة بقدر ما كان إنشاء "دولة موازية" تتغذى على الرسمية وتتحكم بها من خلف الستار.


الفكرة الجوهرية لم تكن في بناء نظام حكم بل في صناعة "نظام سيطرة" نظام يُبقي على الهياكل التقليدية للدولة كـ: (الرئاسة، البرلمان، الجيش) ولكنه يزرع داخلها وبجوارها بل وتحتها و فوقها مؤسساتٍ عقائديةٍ موازيةٍ ومسيطرة تضمن أن القرار الحقيقي لا يغادر دائرة "الولي الفقيه" وتم ضبط ذلك كله ضمن الخمسة المسارات والمحددات الآتية:

الأول: عسكرة الدولة..

وذلك عبر ازدواج القوة ففي قلب هذا البناء يقف الحرس الثوري الإيراني كـ كيان لا يشبه الجيوش الوطنية بقدر ما يمثل "جيش الولي الفقيه" وهذا الحرس ليس بديلاً عن الجيش النظامي فحسب؛ لكنه وصيٌّ عليه ويتفوق عليه في النفوذ والقرار والتسليح! وإلى جانبه تظهر قوات "الباسيج" كـ ذراعٍ "أمنيٍة-اجتماعية" تراقب الداخل وتضبطه في موازاة أجهزة الأمن الرسمية لكنها تتقدم عليها في الولاء والفاعلية.

وبهذا لا تصبح الدولة صاحبة السلاح بل يصبح السلاح: صاحب الدولة!!


الثاني: إختطاف السياسة من داخلها..

وفي هذا الوضع تبدو مؤسسات الدولة السياسية والسيادية قائمة: رئيس منتخب، وبرلمان يُسمى مجلس الشورى الإسلامي، لكن الحقيقة أن هذه الواجهة تُحاصر بسياجٍ من الهيئات الموازية حيث يقف ما يسمى مجلس صيانة الدستور يقف كـ حارس بوابة التشريع فيقرر من يترشح ومن يُستبعد، وما يُقبل من القوانين وما يُرفض، ومن هنا تلغى إرادة الناخب ويصادر حقه.

وفوق مجلس الشورى هذا يتموضع ما يسمى مجلس تشخيص مصلحة النظام كـ مرجعية فوق دستورية تُحسم عندها النزاعات وبالطبع - لا وفق القانون بل وفق مصلحة النظام - كما يراها الولي الفقيه.

أما قمة هرم وذروة سنام تلك المؤسسات الموازية وغير الموازية فهناك "المرشد الأعلى" والذي يخضع لمواصفات ومقاييس وشروط سرّيّة لا يعرفها حتى هو! ناهيك عن عدم انتخابه انتخاباً شعبياً لا مباشراً ولا غير مباشر ولكنه "يُفرز" عبر منظومة أقبح من اللاهوتية لكنها تسمى دينية مغلقة وبصلاحية تضعه: (مُختزِلاً للدين والدولة معاً ومرجعاً فوق كل السلطات، والأسوأ من ذلك كونه معصوم).


الثالث: تصدير النموذج لا الدولة..

لم يكتفِ النظام ببناء ازدواجيته داخلياً، لكنه صدّرها إلى الخارج عبر أذرع طائفية عابرة للحدود.

هذه الأذرع لا تعمل بصفة حلفاء أو بشكل نظراء بل عبارة عن نسخ مصغرة من نماذج الولي الفقيه الإيراني في هيئة مؤسسات موازية داخل دُولها تنافس الدولة وتضعف مؤسساتها وبالطبع تفوقها في جميع النواحي بداية من الموارد البشرية وانتهاء بالتمويل والتطوير، أماشرعيتها فتستمدها من خارج الحدود وبدون شك.

ومن خلال هذه الأدوات لا تتوسع إيران كدولة ولكن كـ منظومة موازية للدول! وهنا الإشكال.


الرابع: إحتكار الوعي قبل السلطة..

ففي موازاةٍ لوزارات كـ الإعلام والثقافة وما أشبههما شُيّدت جبهة "إعلامية-ثقافية - عقائدية" لا تكتفي بالترويج والنشر والتخريف بل تعيد "تشكيل الوعي الجمعي".

وهذه المنظومة لا تكتفي بنقل الاخبار فقط لكنها تصنع الرواية ومن ثم تُعيد تعريف الهُوية، فتُنتج إنساناً منضبطاً ضمن "سردية الولي الفقيه، لا ضمن واقع الدولة".


الخامس: دولة بوجهين وقرار واحد..

فما يبدو دولة في إيران هو في الحقيقة عبارة عن طبقتين:

الأولى: طبقة رسمية تُخاطب الداخل والخارج وتمنح الشرعية بطريقة شكلية

الثانية: طبقة موازية تحكم فعلياً وتمسك بمفاصل القوة وتحدد الاتجاه.

بناء على ما ذُكر آنفاً فإننا نخلص للقارئ الحصيف وللباحث اللبيب وللناظر الأريب بنقطتين رئيستين أولاهما: أن الدولة هناك تُختزل في "جهاز" والجهاز يُختزل في "فكرة" والفكرة تُختزل في "شخص".

وثانيهما: أن ما نراه في إيران ليس دولةً؟ بل مجرد واجهةٍ لنظامٍ لا يؤمن أصلاً بـ "فكرة الدولة"؟!


ويبقى السؤال:

أكو عرب؟!