بينما تنشغل الأروقة الحكومية هذه الأيام بالتحضير لورش العمل والندوات التي تحمل عناوين رنانة حول
الشفافية ومكافحة الفساد يبدو أننا بحاجة للتذكير بحقيقة بديهية الفساد لا يُهزم بالخطابات والرقابة لا تُمارس عبر
توزيع البروشورات وتناول وجبات الغداء الفاخرة في الفنادق .
إن الإصرار على تحويل قضية وطنية مصيرية كمكافحة الفساد إلى سلسلة من الورش هو في حد ذاته صورة
من صور استنزاف المال العام بل وربما وجه آخر للفساد المقنّع الذي يُهدر الوقت والموارد في ظواهر صوتية
لا تلامس جوهر الخلل .
الجهاز المركزي للرقابة والمحاسبة العين التي يجب أن تبصر يا دولة رئيس الوزراء إن الطريق الأقصر
والأكثر فاعلية لتجفيف منابع العبث لا يحتاج لابتكار أدوات جديدة بل يحتاج فقط إلى تفعيل الأدوات الموجودة
إن الجهاز المركزي للرقابة والمحاسبة هو السيف القانوني الذي يجب أن يُصقل ويُمنح الصلاحيات الكاملة
للضرب بيد من حديد تجميد دور هذا الجهاز أو تقييده بتقارير ترفع للأدراج هو ما يمنح الفاسدين الضوء
الأخضر للاستمرار.
إدارات المراجعة الداخلية ديكورات في ممرات المؤسسات المعضلة الكبرى التي نضعها أمامكم اليوم هي وضع
إدارات المراجعة الداخلية في عموم الدوائر الحكومية هذه الإدارات التي من المفترض أن تكون خط الدفاع
الأول والصمام الذي يمنع التجاوزات قبل وقوعها تحولت بفعل فاعل إلى
إدارات ديكورية تم تعيين كوادرها لإكمال الهيكل التنظيمي فقط إدارات مجمدة يمارس مسؤولوا الدوائر
الحكومية سطوة إدارية لتهميش هذه المكاتب خوفاً من أي عين تراقب الصرف والتعاقدات .
ماذا يحتاج المواطن من حكومتكم ؟
دولة رئيس الوزراء إن محاربة الفساد في ظل هذا الوضع الاقتصادي المتردي لا تتطلب ميزانيات لورش عمل
بل تتطلب إرادة سياسية تترجم إلى
1. تفعيل حقيقي وفوري لدور الجهاز المركزي للرقابة والمحاسبة ومنحه الاستقلالية التامة في كشف الملفات
ومتابعتها قضائياً .
2. إعادة الروح لإدارات المراجعة الداخلية في كل وزارة ومصلحة حكومية وربط تقاريرها بجهة عليا مستقلة
بدلاً من تبعيتها المباشرة لمدير الدائرة الذي قد يكون هو الخصم والحكم في آن واحد .
3. إيقاف نزيف ورش العمل التي تستهلك ميزانيات ضخمة وتوجيه تلك المبالغ لدعم فرق الرقابة الميدانية
والتحقيق المالي .
إن محاربة الفساد هي معركة ميدان وأرقام ومحاسبة وليست معركة تنظير في قاعات مكيفة المسؤول الذي
يخشى الرقابة الداخلية هو أول من يجب أن تطاله المساءلة والوزارة التي تهمش مراجعيها هي بيئة خصبة
لضياع مقدرات الشعب
الكرة في ملعبكم والجمهور لا ينتظر توصيات ورشة عمل بل ينتظر قرار محاسبة .