الصحفي /مصطفى القطيبي
لم يعد تمدد الحوثي واستمراره في فرض واقع الأمر الواقع لغ
زًا سياسيًا أو عسكريًا، بقدر ما أصبح نتيجة طبيعية ومباشرة لحالة التشرذم والانقسام العميق داخل مكونات وأحزاب الشرعية اليمنية. فالمعضلة اليوم لم تعد في قوة الخصم وحدها، بل في هشاشة الجبهة المفترض أنها تقف في مواجهته.
على مدى سنوات، انشغلت مكونات الشرعية بصراعاتها البينية، وتبايناتها السياسية والأيديولوجية، وتوزيع النفوذ على حساب مشروع استعادة الدولة. هذه الخلافات لم تتوقف عند حدود الخطاب السياسي، بل تجاوزتها إلى واقع ميداني مع
قد، حيث تمتلك هذه القوى تشكيلات عسكرية وأمنية متعددة، كثيرٌ منها لا يخضع فعليًا لوزارة الدفاع أو وزارة الداخلية، بل يدين بالولاء لجهات حزبية أو مناطقية، ويفرض سلطته على الأرض بمعزل عن مؤسسات الدولة.
حتى الوحدات التي يُفترض أنها رسمية لم تسلم من الاتهامات، إذ يُنظر إلى بعضها على أنه واقع تحت هيمنة طرف سياسي بعينه، ما عمّق فجوة الثقة مع بقية المكونات، بل ومع دول إقليمية فاعلة. هذا الواقع خلق حالة من الشك المتبادل، وأضعف أي جهد حقيقي لتوحيد القرار العسكري، فضلًا عن الشكوك المرتبطة بأجندات خارجية أو مشاريع أيديولوجية لا تتسق مع مفهوم الدولة الوطنية.
ومثال ما يحدث في تعز والساحل الغربي يُجسّد هذه الإشكالية بوضوح، حيث يعكس الصراع في الوازعية والحملات الإعلامية المتبادلة تراكمات خلافات سابقة، وضغوطًا حالية لدمج وتوحيد القوات. غير أن هذه الجهود تصطدم بعقبات سياسية وميدانية تعكس عمق الأزمة أكثر مما تبشّر بحل قريب.
من جهة أخرى، تكشف التصريحات الأخيرة لقيادات عسكرية عن اختلالات خطيرة داخل المؤسسة العسكرية (الجيش الوطني)، خصوصًا في بعض دوائر وزارة الدفاع. فملف الرواتب غير المنتظمة، والخصميات، ووجود خلل مالي وهيكلي يتمثل في تضخم أعداد الضباط مقابل الجنود بنسبة غير قانونية، كلها مؤشرات على غياب المع
ايير المؤسسية. ورغم أن كثيرًا من هؤلاء الأفراد فرضتهم ظروف الحرب، وأثبتوا شجاعة في الميدان، إلا أن استمرار هذا الوضع دون إصلاح يهدد بتحويل الجيش إلى كيان غير منضبط، عاجز عن أداء مهامه الوطنية. كما أن المتضرر الأكبر من عدم انتظام الرواتب، واستمرار الخصميات، وتأخير المستحقات، هم أبطال الجبهات، والدولة التي تعوّل عليهم في حماية الوطن.
ولا يقل خطورة عن ذلك ملف الجرحى والشهداء، حيث تشير المعطيات إلى وجود اختلالات في التصنيف، إذ إن نسبة من الحالات ليست ناتجة عن مواجهات مباشرة، بل عن حوادث مرورية، كما تحدّث به وزير الدفاع في لقاءاته مع عدد من قيادات الجيش في مأرب قبل أيام، ما يفاقم العبء على الحكومة، ويؤثر سلبًا على حقوق المستحقين الحقيقيين من الجرحى الأبطال وأسر الشهداء الذين قدّموا تضحيات جسيمة دفاعًا عن الوطن.
أما في الجنوب، فإن بقايا التشكيلات التي خرجت عن الإطار الرسمي وتمردت على الدولة ما تزال تمارس أدوارًا معطِّلة للاستقرار، وتسهم في إدامة الفوضى، وتحاول تعطيل الحياة وعودة الأوضاع إلى طبيعتها، من حيث تحسّن الخدمات وتخفيف معاناة المواطنين. هذا الواقع يطرح تساؤلات جدية حول جدوى المشروع الذي رُوِّج له على مدى عشر سنوات، دون أن تنعكس نتائجه إيجابًا على حياة الناس، بل ارتبط في أذهان كثيرين بالفساد واستنزاف الموارد والإثراء لفئة على حساب المواطنين في جنوب اليمن، وانعكس ذلك سلبًا على بقية المحافظات.
في ظل كل هذه التعقيدات، لم يكن مستغربًا أن يستفيد الحوثي من هذا المشهد، فيعزّز مواقعه، ويواصل توسعه دون اكتراث. فغياب الجبهة الموحدة، وتعدد مراكز القرار، يمنحه أفضلية دون أن يخوض معارك مكلفة.
أمام هذا الواقع، وجدت الم
ملكة العربية السعودية نفسها مضطرة إلى التدخل بشكل أكثر مباشرة، خاصة بعد تطورات حضرموت وما نتج عنها، فقدّمت دعمًا لمجلس القيادة الرئاسي، وسعت إلى حلحلة الملفات المعقدة، وعلى رأسها الملف العسكري. إلا أن هذه الجهود تصطدم بتحديات كبيرة، أبرزها ضعف التعاون من قبل بعض القوى المسيطرة على الأرض، وتمسّكها بمصالحها الضيقة على حساب المصلحة الوطنية لليمن ومستقبله واستقراره ونموه وازدهاره.
بعد أكثر من عقد من الانخراط في الملف اليمني، تبدو الرياض أمام مفترق طرق حقيقي. فاستمرار الدعم دون نتائج ملموسة لم يعد خيارًا مستدامًا، في ظل ما يُنظر إليه على أنه استنزاف سياسي ومالي وعسكري، في وقت تحتاج فيه اليمن والمنطقة إلى استقرار حقيقي قائم على شراكات واضحة ومسؤولة.
إن اللحظة الراهنة تفرض على جميع الأطراف اليمنية مراجعة جادة وشاملة. لم يعد مقبولًا استمرار الصراع الداخلي تحت مظلة الشرعية، ولا توظيف الدعم الإقليمي في صراعات جانبية. المطلوب اليوم هو تغليب المصلحة الوطنية، والانخراط الصادق في مشروع توحيد المؤسسات العسكرية والأمنية، وإنهاء الازدواجية، ومحاربة الفساد، وبناء قوات مسلحة وأمنية وطنية ومهنية تعتمد المؤسسية ، وتخضع لمعايير القانون العسكري والأمني، بعيدًا عن الولاءات الحزبية والمناطقية والجهوية، ويكون ولاؤها لله ثم لليمن فقط.
كما أن استثمار الدعم السعودي يجب أن يتم ضمن رؤية استراتيجية واضحة، تقوم على شراكة استراتيجية حقيقية، كما شدد على ذلك رئيس مجلس القيادة الدكتور رشاد العليمي، وتحدث عنه الأشقاء في المملكة، لإعادة بناء الدولة بشكل ينهي معاناة الشعب، ويؤسس لشراكة مستدامة تُخرج اليمن مما يمر به.
اليمن اليوم أمام فرصة أخيرة قد لا تتكرر. إما أن تنتصر إرادة الدولة، أو يستمر الانهيار، ويترسخ واقع التقسيم والفوضى. والتاريخ لن يرحم من أضاع هذه الفرصة.