آخر تحديث :الأربعاء-15 أبريل 2026-08:06م

اليوم العالمي للفن........ مرٱة الواقع وضمير الانسان!!!

الأربعاء - 15 أبريل 2026 - الساعة 05:27 م
صبري سالم بن شعيب

بقلم: صبري سالم بن شعيب
- ارشيف الكاتب


الفن كان وسيبقى إحدى أنبل الرسائل التي ابتكرها الإنسان ليحفظ بها ذاكرته، ويعبر عن وجدانه، ويواجه بها قسوة الواقع بوعيٍ وجمال. والاحتفاء باليوم العالمي للفن هو احتفاءٌ بهذه القدرة الإنسانية الفريدة على تحويل التجربة إلى معنى، واللحظة العابرة إلى أثر، والصوت الفردي إلى رسالة تتجاوز حدود المكان والزمان.


منذ أن اعتمدت اليونسكو هذا اليوم العالمي عام 2019، أصبح مناسبة للتذكير بأن الفن ليس ترفًا ثقافيًا، بل ضرورة تربوية وحضارية. فهو يعكس الواقع بعمق، ويقدّم للمجتمع حكمًا وخبراتٍ لا تُكتسب من الكتب وحدها. في اللوحة، وفي القصيدة، وفي المسرح، وفي الموسيقى، تتجسد قصص الناس، آمالهم، مخاوفهم، وانتصاراتهم الصغيرة. الفن يلتقط ما لا يُقال، ويكشف ما يُخفى، ويمنح الوعي قدرة على رؤية ما وراء التفاصيل.


ويمثل الفن قوة ناعمة قادرة على التأثير في الوجدان الجمعي، وتشكيل الرأي العام، ودعم القضايا الإنسانية العادلة. فالفنان حين يرسم الألم، أو يكتب عن الحرية، أو يغني للسلام، فإنه لا يقدم عملاً جماليًا فحسب، بل يشارك في صناعة وعيٍ مقاوم للظلم، رافض للحرب، ومناصر للإنسان أينما كان. ولهذا كان الفن عبر التاريخ شاهدًا على المآسي، وذاكرةً للضحايا، وصوتًا للحق حين يصمت الجميع.


كما يسهم الفن في بناء شخصية الفرد، فهو يحرّض الخيال، ويعزز الثقة بالنفس، ويمنح المتعلم القدرة على التعبير عن ذاته بطرق راقية وواعية. إنه يفتح أمامه أبواب الإبداع، ويصقل مشاعره، ويهذّب ذائقته، ويجعله أكثر قدرة على فهم الجمال والتفاعل معه. وفي المدرسة، يصبح الفن شريكًا في التربية، لا يقل أهمية عن اللغة والعلوم، لأنه يكوّن إنسانًا متوازنًا، حساسًا، قادرًا على التفكير والتأمل.


وفي عالم يموج بالصراعات، يصبح الفن مساحة للسلام، ولغة مشتركة تجمع الشعوب، وتذكّرهم بأن ما يوحّدهم أكبر مما يفرقهم. فالألوان لا تعرف الحدود، والموسيقى لا تحتاج إلى ترجمة، والقصص الإنسانية تتشابه مهما اختلفت الثقافات. وهكذا يصبح الفن جسرًا للتواصل، ووسيلة لتعزيز التفاهم، وأداة لنشر قيم التسامح والاحترام.


إن اليوم العالمي للفن هو دعوة مفتوحة لإعادة الاعتبار للإبداع بوصفه ركيزة من ركائز الوعي الإنساني، ووسيلة لحماية الذاكرة، ودعم القضايا العادلة، ونبذ الحروب، وبناء عالم أكثر جمالًا وإنسانية. وهو تذكير بأن الفن ليس مجرد ممارسة، بل رسالة سامية تحمل نورًا لا ينطفئ، وتبقى قادرة على تغيير الإنسان… ومن ثم تغيير العالم.