آخر تحديث :الخميس-14 مايو 2026-07:05م

بين أبولو وندبة الأرض: قراءة ميثولوجية في تراجيديا المسرح الجريح لُلُشِاْعرَ الُيَمٌنَيَ الُمٌسِرَحُيَ فَيَصّلُ الُْعامٌرَيَ

الجمعة - 24 أبريل 2026 - الساعة 08:51 م
د. حسن الفقعاوي

يُقدِّم النصّ الذي بين أيدينا خطابًا شعريًا مسرحيًا متشظّي البنية، كثيف الإحالات، ينتمي إلى ما يمكن تسميته بـ"التراجيديا المركّبة" التي تتقاطع فيها الأسطورة بالتاريخ، والواقع بالتمثيل، والدم بالفعل الجمالي


وهو نصٌّ يُغري بمقاربة نقدية تستنفر أدوات التحليل الكلاسيكي الميثولوجي، وتستأنس بمقولات كبار النقاد من أمثال أرسطو، وفريدريك نيتشه، وكارل يونغ، مع استحضار أفق التراجيديا الإغريقية بوصفها البنية العميقة للنص.


يُقدِّم النصّ الذي بين أيدينا خطابًا شعريًا مسرحيًا متشظّي البنية، كثيف الإحالات، ينتمي إلى ما يمكن تسميته بـ"التراجيديا المركّبة" التي تتقاطع فيها الأسطورة بالتاريخ، والواقع بالتمثيل، والدم بالفعل الجمالي. وهو نصٌّ يُغري بمقاربة نقدية تستنفر أدوات التحليل الكلاسيكي الميثولوجي، وتستأنس بمقولات كبار النقاد من أمثال أرسطو، وفريدريك نيتشه، وكارل يونغ، مع استحضار أفق التراجيديا الإغريقية بوصفها البنية العميقة للنص.


أولًا: البنية التراجيدية وتمثّل مفهوم "المحاكاة"


ينبني النص على مفهوم "المحاكاة" الأرسطية (Mimesis)، لا بوصفها تقليدًا ساذجًا للواقع، بل إعادة خلق له ضمن نسق جمالي متوتر. فالعالم في النص "يتكوم" و"يتلوّى"، وهذه الأفعال ذات الطبيعة الجسدية تُحيل إلى ما يسميه أرسطو بـ"الفعل التراجيدي الكامل"، حيث تتجسد المعاناة في هيئة فعل محسوس.


غير أنّ الكاتب لا يقدّم حبكة خطيّة، بل يشتغل على تفكيك الحبكة لصالح مشاهد متجاورة، أقرب إلى "اللوحات التراجيدية"، وهو ما يقترب من التصوّر الحديث للتراجيديا بوصفها "حالة" لا "حدثًا".


ثانيًا: التناص الميثولوجي وبنية الأرشيتيب


يستدعي النص شخصيات ميثولوجية كثيفة الدلالة:


أندروماخي: رمز المرأة الثكلى، زوجة هكتور، بما تحمله من دلالة الفقد النبيل.


أوديب: أيقونة العمى المعرفي والقدر المحتوم.


أبولو: إله النور والتطهير، لكنه هنا يتحول إلى شاهد على الخراب.


هيلانة: الجمال المسبب للحرب، تُستعاد بوصفها كناية عن الذريعة الجمالية للعنف.


هذه الشخصيات لا تُستدعى بوظيفتها السردية، بل بوصفها "نماذج أولية" (Archetypes) وفق مفهوم كارل يونغ، حيث تتحول المرأة في النص إلى كيان مركّب: نصفها أندروماخي (الفقد)، ونصفها نائحة (الحداد الكوني)، وهو ما يشكّل "الأم الكبرى الجريحة" في اللاوعي الجمعي.


ثالثًا: الجدلية النيتشوية بين الأبولوني والديونيسي


يمكن قراءة النص في ضوء ثنائية فريدريك نيتشه:


الأبولوني (Apollonian): يتمثل في الضوء، الشكل، المسرح، النظام.


الديونيسي (Dionysian): يتمثل في الدم، الصراخ، الفوضى، الانفعال.


النص ينهض على صراع حاد بين هذين البعدين؛ فالضوء "قطرة"، بينما الدم يغمر المشهد. وأبولو نفسه لا يخلّص العالم، بل يعلن "طهارة" مشكوكًا فيها، في مفارقة تهدم مركزية النور، وتُغرقه في عبثية التراجيديا الحديثة.


رابعًا: المسرح داخل المسرح (Metatheatre)


يشتغل النص على تقنية "المسرح داخل المسرح"، حيث:


الجدار الثالث والرابع يُستحضران بوعي إخراجي.


الممثلون "يتجمعون لتجسيد المشهد".


الجمهور يُخاطَب مباشرة.


وهذا ما يجعل النص قريبًا من كسر الإيهام المسرحي، على نحو يذكّر بتجارب المسرح الملحمي، لكنه هنا محمّل بطاقة شعرية عالية. إنّ "الجدار الرابع" لا يُكسر فقط، بل يُلوّث بـ"عفونة الدم"، في إشارة إلى انهيار المسافة بين الفن والواقع.


خامسًا: اللغة بوصفها جسدًا جريحًا


اللغة في النص ليست وسيلة، بل موضوعًا بحد ذاته:


التقطيع البصري (تفكيك الكلمات) يعكس تفكك العالم.


التراكيب الانفعالية (آه، متى، كونوا على حذر) تخلق إيقاعًا نحيبيًا.


الصور البلاغية تعتمد على "التجسيد الدموي": اللون، الضوء، الشمس، كلها تنزف.


وهذا ما ينسجم مع ما يذهب إليه عبد القاهر الجرجاني في نظريته حول "النظم"، حيث تتولد الدلالة من طريقة تركيب الألفاظ لا من مفرداتها.


سادسًا: البعد السياسي والتراجيديا المعاصرة


لا يخفى أن النص يُحيل إلى واقع عربي مأزوم (خانيونس، القصف، الجوع)، لكنه لا يسقط في المباشرة، بل يُعيد ترميز الواقع عبر الأسطورة. وهنا تتحقق "التراجيديا المعاصرة" التي تتجاوز الحدث إلى "الجرح الكوني".


المرأة ليست فردًا، بل أرضًا. والدم ليس حادثة، بل قدرًا. والمسرح ليس خشبة، بل العالم.


خاتمة تقييمية

النصّ عملٌ مركّب، يستدعي قارئًا متمرّسًا، قادرًا على تفكيك طبقاته الميثولوجية والرمزية. وهو ينجح في:

خلق تراجيديا حديثة متجذّرة في الإرث الإغريقي.

توظيف الأسطورة بوصفها أداة تأويل لا زخرفة.

بناء لغة شعرية مسرحية مشحونة بالوجع الجمالي.


غير أنّ كثافة الرموز قد تُفضي أحيانًا إلى إغراق الدلالة، وتُثقل التلقي، وهو ما أشار إليه تزفيتان تودوروف في حديثه عن "فرط الدلالة" الذي يهدد وضوح البنية.


ومع ذلك، يظل النصّ شهادة جمالية على قدرة المسرح الشعري على احتواء الكارثة، وتحويلها إلى أثرٍ فنيٍّ خالد، حيث يمتزج صراخ الإنسان بأصداء الأسطورة، في مشهدٍ تراجيديٍّ لا ينطفئ.


بقلم الدكتور

حسن علي الفقعاوي



دِمٌوَْع وَاوَجْاْع وَاحُزُانَ

........الكاتب المسرحي/ فيصل العامري اليمن


في دائرة مغلقة من الأحزان

يَتْكِوَمٌ صّرَاٌخ الُْعالُمٌ الُمٌضُطِجْْع يَتْلُوَى الُدِمٌ

يزحف

نحو قطرة ضوء

يعلق اللون الدم

بنصف قرص الشمس

كشفيف كظلٍ كلون الدم

كتبته امرأة نصفها اندروماخي

نصفها الآخر نواحة العصور هيلوبت

امرأة هكطور

وعلى جدار بيتها

الذي طحنته طيران ابنا يهوذا المحتل

بأوجاع خانيونس

وبكت بعدما مزقوها

فتمور الجوقة

تعزف أوجاعا وبكاء

تتكوم هالتها

فوق شهب الميراج

وتعود اللحظة

متخبطة كالنقع

وعلى الجدار الثالث للمسرح

وعفونة دم

ندا امرأة عند دائرة الضوء

تتجمع أخيلة الممثلون

لتجسد المشهد

آه كون جوعي وهلوعة

وعلى الجدار الرابع للمسرح

يموت اللون القاتم

والأمل المخضر

بحصاة نارية

نقش عند قفاها

برد الموت الشكسبيرية

ووجوه معفرة مقعية

تسأل الذاهب والآتي

متى يهمي ستار المسرح

على بحر الظلمة

ومتى تلوذ الأحداق

من طفح الدمعة

ومتى ينسحق جسد الإرهاب

متى تلتئم الندبة

من هذه الارض

ومتى يلملم شغف القلب أوجاعه

ويوؤب صمتا في صبح الوردة البارد

آه ياجمهور الساتوريه

والمشجاة والديثرانب

يأصدا حمي التصفيق

وأبخرة التمثيلية

فتمور أثينا

والضوء وأبولو

ونشيج اوديب

آه كونوا على حذرٍ

سيأتي مساكم

يعلن فيه أبولو

عن طهارة هيلانة

وهي مبرقعة

بصخب الموسيقى

ولوائح القمع والرصاص

كونوا مكممي الأنوف

من رائحة البرفار والماكير وعفونة دم

المتلفع بالأورام الإنسانية




الُدِكِتْوَرَ حُسِنَ ْعلُيَ الُفَقًْعاوَيَ جْامٌْعةِ الُارَدِنَ