آخر تحديث :الثلاثاء-28 أبريل 2026-03:39م

صنعاء ليست قدرًا: لماذا يجب أن تكون عدن عاصمة اليمن؟

الإثنين - 27 أبريل 2026 - الساعة 03:12 م
هشام لطف

بقلم: هشام لطف
- ارشيف الكاتب


بقلم / هشام لطف


لم تعد مسألة استعادة صنعاء كعاصمة للدولة اليمنية قضية سيادية بحتة، كما يحاول البعض تصويرها، بل تحولت إلى اختبار حقيقي لمدى قدرة النخبة السياسية على قراءة الواقع بعيدًا عن الشعارات. فصنعاء التي كانت يومًا عاصمة لليمن الموحد، لم تعد اليوم سوى مدينة واقعة تحت سلطة الأمر الواقع، بعد أن سقطت بيد الحوثيين عقب انقلابهم على الدولة، واستحواذهم على مؤسساتها وإجبار السلطة الشرعية على الفرار.

لم يكن خروج الشرعية من صنعاء حدثًا عابرًا، بل لحظة فاصلة كادت أن تنهي الدولة اليمنية بالكامل، لولا أن مدنًا مثل عدن وتعز ومأرب أعادت تشكيل المشهد. من هذه المدن انطلقت المقاومة، ومنها استمرت الشرعية، ومنها وُلد التوازن الذي حال دون سقوط اليمن كليًا بيد مشروع واحد.

ورغم ذلك، لا تزال بعض الأصوات داخل الشرعية تتمسك بشعار “تحرير صنعاء واستعادتها كعاصمة”، وكأن المشكلة كانت في سقوط العاصمة، لا في طبيعة النظام الذي حكم منها. هذا الطرح يتجاهل حقيقة أن صنعاء ليست مجرد موقع جغرافي، بل مركز نفوذ تاريخي لقوى تقليدية أثبتت التجارب أنها تعيد إنتاج هيمنتها كلما عادت إليها السلطة.

التاريخ اليمني الحديث يقدم مثالًا صارخًا. فبعد سقوط نظام الإمامة وقيام الجمهورية، لم تستقر السلطة على قاعدة شراكة وطنية، بل أعيد توزيعها بشكل غير متوازن، أدى إلى تهميش قوى كانت شريكًا أساسيًا في الثورة. ومع مرور الوقت، تحولت الدولة إلى ساحة صراع، شهدت إقصاءً ممنهجًا وتصفية لرموز سياسية، وانتهت بسيطرة نخبة محددة على الحكم لعقود.

اليوم، يتكرر المشهد بصورة مختلفة. فاستعادة صنعاء دون إعادة صياغة قواعد السلطة تعني، ببساطة، إعادة تدوير الأزمة. بل إن الأخطر من ذلك هو احتمال انتقال الصراع من مواجهة مع الحوثيين إلى صراع داخل معسكر الشرعية نفسه، نتيجة اختلال موازين القوة.

في المقابل، لم تعد عدن مجرد “عاصمة مؤقتة” فرضتها ظروف الحرب، بل أصبحت واقعًا سياسيًا جديدًا. مدينة مفتوحة، متعددة، وبعيدة نسبيًا عن مراكز النفوذ التقليدية التي كرّست الأزمات في السابق. إن تحويل عدن إلى عاصمة دائمة لا ينبغي أن يُفهم كخيار اضطراري، بل كقرار استراتيجي يهدف إلى كسر الحلقة المفرغة لإعادة إنتاج السلطة في نفس الجغرافيا وبنفس الأدوات.

القضية اليوم ليست في استعادة مدينة، بل في إعادة تعريف الدولة نفسها. فالدول لا تُبنى بالرمزية، بل بالتوازن. ولا تُدار بالعواصم التاريخية، بل بمراكز قادرة على احتضان جميع مكوناتها دون إقصاء.

إن الإصرار على صنعاء كعاصمة “أبدية” قد يبدو موقفًا وطنيًا في ظاهره، لكنه في جوهره قد يفتح الباب أمام إعادة إنتاج نفس البنية التي أوصلت اليمن إلى ما هو عليه اليوم. أما القبول بعدن كعاصمة، فهو خطوة نحو إعادة توزيع القوة، وخلق فرصة حقيقية لبناء دولة مختلفة.

في النهاية، المسألة ليست: أين تكون العاصمة؟

بل: كيف نمنع احتكارها؟