آخر تحديث :الثلاثاء-28 أبريل 2026-03:39م

أمريكا والشرق الأوسط بين التوتر البنيوي وسيناريوهات المستقبل

الإثنين - 27 أبريل 2026 - الساعة 04:33 م
د. جمال الهاشمي

بقلم: د. جمال الهاشمي
- ارشيف الكاتب


تمر الولايات المتحدة بمرحلة معقدة من التحول التاريخي التي تتداخل فيها السياسة بالاقتصاد والثقافة بالدين وهنا لم يعد الانقسام اختلاف في البرامج وإنما تحول إلى تباين عميق في الرؤية إلى الدولة نفسها.

ولم يعد السؤال منذ أحداث اقتحام الكابيتول 2021 يدور حول وجود الأزمات وإنما حول طبيعتها واتجاهها:

هل هي أزمة عابرة ضمن دورة ديمقراطية أم بداية لتحول أعمق في بنية النظام؟ إذ يشهد الداخل الأمريكي توترا خرج عن ساق قيمه التي تأسس مجتمع متعدد الأعراق متنوع الهويات تجمعه الثقافة العامة وقيم الدولة والجنسية:

هذا التوتر أفرز استقطابات سياسية حادة وتراجعت معه الثقة بالمؤسسات وضغط اقتصادي على الطبقة الوسطى الحيوية التي كان لها الدور المبرز في استقرار الديمقراطية، وصعود خطاب هوياتي يسعى لفرض هويته على الثقافة العامة ومؤسسات الدولة وقيمها العانة ويضعف فكرة الإجماع الوطني.

وما تزال الدولة تمتلك مع ذلك أدوات قوية للتماسك الذي يفرض طبيعة المأسسة التأسيسية للدولة مثل استقلالية القضاء وقوة الاقتصاد وتوازن السلطات بين الحكومة الفدرالية والولايات.

وهذا التناقض هو ما يجعل المشهد الأمريكي مفتوح على أكثر من احتمال بدلا من أن يسير في اتجاه واحد وما يهمنا هو اختصار الطرح من خلال تقديم سيناريوهات واقعية لا تبالغ في التفاؤل لخصوم أمريكا ولا في التشاؤم لحلفائها ولأن أمريكا تحكم معظم العالم والشرق الأوسط تحديدا سننطلق من السيناريوهات إلى انعكاساتها على منطقة الشرق الأوسط الممزق في هوياته ودوله وأهدافه ورؤاه.


السيناريو الأول: هو استمرار التوتر المنضبط وهو الأكثر واقعية على المدى القريب.

وفي هذا المسار تبقى الانقسامات قائمة وتستمر الاحتجاجات والخلافات السياسية الحادة ضمن الإطار المؤسسي.

وتظل الانتخابات في هذا الاحتمال آلية أساسية لتفريغ الصراع حتى لو كانت نتائجها محل جدل وخلاف بين المتنافسين.

و هنا تتكيف النخب مع مستوى مرتفع من التوتر دون أن تسمح بانفلاته ضمن حالة من الضغط المستمر داخل نظام مغلق يمنع انفجاره لكنه لن يعود إلى حالة الاستقرار السابقة.

السيناريو الثاني ويتمثل في إعادة التوازن والإصلاح التدريجي وهنا قد تدفع الأزمات المتكررة سواء الاقتصادية أو السياسية إلى توافق نسبي داخل النخبة لإعادة ضبط قواعد اللعبة.

ويمكن أن يشمل ذلك إصلاحات انتخابية، أو سياسات اقتصادية تقلل الفجوة الاجتماعية أو تهدئة الخطاب الإعلامي.

ويفترض هذا السيناريو وجود إرادة سياسية لتقديم تنازلات متبادلة وهو أمر صعب لكنه ليس مستحيلا خاصة إذا شعرت الأطراف المختلفة بأن استمرار الاستقطاب يهدد مصالحها الأساسية.

أما السيناريو الثالث فهو التصعيد غير المنضبط وهنا تتراكم الأزمات دون قدرة المؤسسات على احتوائها.

و قد يظهر ذلك في شكل اضطرابات أوسع أو رفض نتائج انتخابات بشكل جماعي أو صدامات متكررة بين جماعات سياسية واجتماعية.

هذا لا يعني بالضرورة حربا أهلية تقليدية وإنما نمط من الفوضى المتقطعة التي تضعف هيبة الدولة تدريجيا.

ويلقى هذا السيناريو الأقل احتمالا حاليا لكنه ممكن إذا تزامنت عدة أزمات حادة في وقت واحد مثل أزمة اقتصادية كبيرة مع أزمة شرعية سياسية.

السيناريو الرابع هو إعادة تشكيل الدور الأمريكي داخليا وخارجيا. وفي هذا المسار تدفع الضغوط الداخلية الولايات المتحدة إلى تقليل انخراطها الخارجي والتركيز على إعادة بناء الداخل اتباعا لسياسة العزلة الدولية مع التركيز على إقليمها وتدخلها بشكل منهجي في القارة الأمريكية و هذا لا يعني انسحابا كاملا من العالم وإنما يدخل ضمن استراتيجية إعادة ترتيب الأولويات بحيث تصبح القضايا الداخلية كالاقتصاد والبنية الاجتماعية أولوية على حساب التدخلات الخارجية.

وهذا السيناريو قد يغير شكل النظام الدولي من الأحادية إلى التعدد لكنه ينبع أساسا من الحاجة إلى استعادة التوازن الداخلي.


وبجسب ما سبق لا تبدو الولايات المتحدة على حافة انهيار مفاجئ على غرار الظول العربية التي ليس لها نظام مؤسسي في الغالب ولا قنوات شرعية ولا استقلالية المؤسسات وخصوصا القضاء .. لكنها أيضا ليست في حالة استقرار مريح.

و ما يجري هو تحول بطيء في طبيعة النظام بحيث لم تعد أدوات القرن العشرين كافية لإدارة تعقيدات القرن الحادي والعشرين. وبين سيناريو التوتر المستمر والإصلاح المحتمل أو حتى التصعيد يبقى العامل الحاسم هو قدرة المؤسسات على التكيف وقدرة المجتمع على إعادة إنتاج حد أدنى من التوافق.

بهذا الرؤية فإن مستقبل أمريكا لن يحسم بحدث واحد وإنما بسلسلة من التفاعلات المتراكمة التي ستحدد ما إذا كانت الأزمة ستبقى تحت السيطرة أم ستتحول إلى نقطة انعطاف تاريخية.

ومن جانب آخر كانعكاس لما سبق تعد الولايات المتحدة العامل الخارجي الأكثر تأثيرا في توازنات الشرق الأوسط و أي تحول في بنيتها الداخلية ينعكس مباشرة على شكل النظام الإقليمي.

ومع تصاعد الجدل حول مستقبل الداخل الأمريكي ويصبح من المهم تحليل كيف يمكن أن تتغير سياسات واشنطن تجاه حلفائها وخصومها مع الإشارة إلى أن العلاقة مع إسرائيل تمثل حالة خاصة داخل هذه المنظومة و تختلف في طبيعتها وعمقها عن باقي العلاقات الإقليمية.

وفي حال استمرار سيناريو التوتر المنضبط داخل الولايات المتحدة، ستبقى السياسة الخارجية الأمريكية قائمة على إدارة الأزمات دون حسم جذري مع العمل على دعم استقرار إسرائيل في المنطقة ورعاية توسعها بطريقة ممنهجة تقوم على تحييد الأطراف والتعامل مع كل طرف مستقل على حده وهو ما يعني تفتيت القرارات العربية والإسلامية جغرافيا من خلال خلق هويات متعددة ومتناقضة .

و في هذا الإطار تستمر إسرائيل في موقع الحليف الاستراتيجي الأوثق مع بقاء الدعم العسكري والاستخباراتي والتقني في مستواه العالي رغم احتمال ظهور تباينات محدودة في أولويات إدارة الصراع الإقليمي.

أما علاقتها مع دول اخرى مثل السعودية ومصر فستسمر الشراكة وستعمل على اقلاقها بدول تحيط بها في حال قررت هذه الدول تنويع علاقاتها الدولية تحسبا لأي تقلبات.

وفي المقابل ستستفيد إيران من بطء القرار الأمريكي لتعزيز حضورها الإقليمي بشكل تدريجي بدعم حلفائها بحيث تكون على رأس قوى منطقة الشرق الأوسط في مواجهة أمريكا ما لم يتم تغيير النظام وتشكيل نظام جديد على غرلر نظام السادات في مصر يضحي بالتحالف الروسي وينجه نحو أمريكا دون أي امتيازات أو مصالح .

وتبقى النتيجة العامة لهذا السيناريو هي في استمرار التوازن المضطرب والقائم على إدارة الصراع بدلا من الحلول الجذرية.

أما في سيناريو إعادة التوازن والإصلاح داخل الولايات المتحدة فإن استعادة قدر من الاستقرار الداخلي قد يؤدي إلى سياسة خارجية أكثر وضوحا وانضباطا. وفي هذه الحالة تستفيد إسرائيل من تعزيز الشراكة الاستراتيجية مع واشنطن مع تنسيق أعمق في الملفات الأمنية والعسكرية.

وفي الوقت نفسه قد تحصل الدول العربية الحليفة على دعم أكثر استقرارا لكن مع ضغوط سياسية تتعلق بالإصلاحات وإدارة الأزمات الداخلية والتطبيع وتغيير المناهج والاندماج ببن الاديان والسماح بالتوطين والحقوق ومنح الجنسيات على غرار النموذج الغربي والتعويضات للعمالة الأجنبية وذلك من خلال اضعاف القرار السياسي وتفكيك منظومة المجتمعات التقليدية .

وستميل السياسة الامريكية تجاه إيران إلى الجمع بين الضغط والعقوبات من جهة و وإبقاء قنوات التفاوض مفتوحة من جهة أخرى بما يعكس مقاربة أكثر توازنا او بما يؤدي الى تشكيل تحالف بين امريكا وايران واسرايئل لمواجهة اي تكتلات شرق اويطية جديدة بين دولها .

ويؤدي هذا السيناريو إلى استقرار نسبي في الإقليم دون إنهاء جذور التوتر وربما إعادة برمجة الأزمات ضمن تغيرات محتملة بين الحلفاء التي ستقوده إسرائيل في المنطقة بما يخدم مصالحها .

وفي حال تحقق سيناريو التصعيد الداخلي غير المنضبط في الولايات المتحدة فإن الانشغال بالأزمات الداخلية قد يضعف القدرة الأمريكية على ضبط الإقليم.

و هنا ستبقى إسرائيل الحليف الأقرب لواشنطن، ولكنها قد تواجه ضرورة الاعتماد بشكل أكبر على قدراتها الذاتية في إدارة أمنها الإقليمي مع تراجع نسبي في انتظام الدعم الأمريكي.

و في المقابل تتحرك قوى إقليمية مثل تركيا وإيران نحو توسيع أدوارها ونفوذها في مناطق متعددة مستفيدة من الفراغ النسبي في الضبط الأمريكي.

وقد تكون النتيجة زيادة احتمالات التوترات الإقليمية وارتفاع مستوى عدم الاستقرار.

أما سيناريو الانكفاء وإعادة تشكيل الدور الأمريكي فيعني تقليص الانخراط الخارجي لصالح التركيز على الداخل.

وفي هذا السياق تبقى إسرائيل أقرب حليف استراتيجي للولايات المتحدة ولكنها قد تواجه تحدي تعزيز استقلالها الأمني والإقليمي بشكل أكبر.

و في المقابل ستتجه دول الخليج مثل الإمارات والسعودية إلى تنويع شراكاتها الدولية بينما تسعى مصر وتركيا وإيران إلى إعادة تموضع داخل نظام إقليمي أكثر تعددية. هذا السيناريو قد يؤدي إلى تشكل نظام شرق أوسطي أقل اعتمادا على قوة واحدة وأكثر خضوعا لتوازنات متعددة الأقطاب.

وأخير يتضح لي أن مستقبل الشرق الأوسط مرتبط بشكل وثيق بمسار التحولات داخل الولايات المتحدة.

وستبقى إسرائيل الحالة الأكثر خصوصية باعتبارها الحليف الاستراتيجي الأعمق ارتباطا بالسياسة الأمريكية في حين ستتحرك بقية الدول بين مستويات مختلفة من الاعتماد وإعادة التوازن.

وبالتالي فإن أي تغير في الداخل الأمريكي لا يعيد فقط رسم سياساته الخارجية وإنما يعيد بالإضافة إلى ذلك ترتيب بنية العلاقات الإقليمية في الشرق الأوسط بأكمله.

وهنا تأتي معضلة تفويت الفرص عربيا لتبقى دولها خارج التأثير إقليميا في شلل مزمن يمنع تشكيل حضارتها أو استقلالها.