إن طرح الدكتور ضياء العوضي رحمه الله في فلسفة الغذاء المعاصر تعد حالة فريدة تستحق دراسة نقدية معمقة لأنه يتناول الموضوع أنطلاقا من وعيه الحضاري والعقل الكلي للثقافة الإسلامية في إبراز الذات الحضارية انطلاقا من ذاتيتها وليس من خارجها .
وتلتقي رؤيته مع رواد التغيير الحضاري لكن لكل منهم أدواته المختلفة وفي مرحلة يشهد العالم تحولات حضارية وقيمية وإنسانية وفكرية من داخل المجتمعات العربية تحديدا وليس من خلال مؤسسات الدولة التي لا تريد تغيير النمط السائد في التعليم الوافد دون بنية حضارية نقدية مما يشير إلى أن الإعاقة الحضاواقعه.
إعاقة مؤسسية وفي المقابل فإن الدكتور ضياء قد استطاع أن يخلف ثقافة مجتمعية تواجه المؤسسات التي قيدت المعرفة بنمطيتها عبر وسائل التواصل الاجتماعي وهو ما افقد المؤسسات شرعيتها مجتمعيا.
وهو في الحقيقة صوت التغيير لكن من خلال معاناة الناس مما جعله منقذا ومدافعا عن العقل والحقوق الإنسانية في مواجهة الرأسمالية المخيفة داخل مجتمعات الإسلام الذي يعترض ثقافة الرأسمالية كداء يهدد الأمن والسلم والايمان .
ومما يميزه أنه لا يتحرك ضمن الأطر التقليدية للصراع الغذائي الحديث بين أنصار الكيتو أو النباتية أو الطب الوقائي السائد وإنما يقدم نفسه بوصفه معارضا جذريا للمنظومة الصناعية الغذائية من داخل تصور جيني يرى أن الإنسان ليس كائن يستهلك السعرات وإنما منظومة وراثية تتفاعل مع الغذاء وفق أصالته البنيوية ومدى توافقه مع الفطرة البيولوجية الأولى.
هذا التصور يجعل مشروعه أقرب إلى إعادة صياغة حديثة لمفاهيم الطب التراثي ولكن بلغة الجينات والخلايا بدلا من لغة الأخلاط والأمزجة.
ومن هنا فإن تحليل أطروحته لا ينبغي أن تكون من خلال السجال الشعبي السائد حول الدهون أو السكريات فقط ولكن أيضا من خلال فهم بنية المنطق الداخلي ومقارنته بالمراجع الطبية القديمة والحديثة معا.
لءلك فإنه في هذا المشروع النقدي التجديدي لا يتعامل مع الغذاء كمادة كيميائية محضة ولكنه يضيف لها وصفا دقيقا ابتكره في حقل علميته وتخصصه باعتباره شفرة بيولوجية تحمل رسائل إلى الخلية.
فالغذاء الطبيعي الكامل بحسب منطقه يحافظ على الانسجام الجيني بينما يؤدي الغذاء الصناعي أو المعدل إلى تشويش هذه الشفرة.
هذه الفكرة تمنحه جاذبية كبيرة لدى جمهور فقد الثقة المتزايدة بالصناعات الغذائية الحديثة خاصة مع تصاعد الدراسات حول أضرار الأغذية فائقة التصنيع والزيوت المهدرجة والمضافات الكيميائية.
إلا أن الإشكالية تبدأ عندما تتحول هذه الرؤية من نقد مشروع للانحراف الصناعي إلى منظومة تفسيرية شاملة ترجع معظم الأمراض إلى انحراف غذائي محدد ضمن تصور صارم قد يتجاوز أحيانا ما تسمح به الأدلة العلمية.
ومن أكثر الجوانب إثارة في طرحه دفاعه الواضح عن السكر بوصفه عنصرا أساسيا للطاقة الخلوية في وقت أصبح فيه الخطاب الصحي المعاصر يميل إلى شيطنة السكر الأبيض بصورة شبه مطلقة.
هنا يبدو العوضي في مواجهة مباشرة مع الترند الطبي السائد، لكنه في الوقت ذاته يستعيد بطريقة غير مباشرة مفهوما تراثيا قديما يرى في الحلاوة مصدرا للطاقة الحيوية.
ففي الطب الإسلامي الكلاسيكي كان السكر والعسل جزءا من منظومة غذائية وعلاجية مرتبطة بتقوية البدن وتحسين المزاج ودعم الحرارة الغريزية.
وقد أشار ابن سينا في القانون إلى أهمية بعض الأغذية الحلوة في التغذية وتقوية بعض الوظائف وإن كان دائما يربط ذلك بمسألة الاعتدال والتوازن.
أما العوضي فيميل إلى إعادة تفسير هذه الفكرة ضمن منظور خلوي يرى أن الجلوكوز ليس مجرد مصدر للطاقة وإنما هو مكون جوهري في عمليات الترميم الجيني.
غير أن النقد العلمي لهذا الطرح يكمن في أن البيولوجيا الحديثة تميز بوضوح بين الحاجة الفسيولوجية للجلوكوز وهي حقيقة لا خلاف عليها وبين الاستهلاك المفرط للسكريات المكررة الذي يرتبط باضطرابات أيضية موثقة مثل مقاومة الإنسولين والسمنة وأمراض القلب.
فالإشكال ليس في السكر كجوهر بيولوجي وإنما في الكمية والنوع وطبيعة النظام الحياتي المصاحب.
لذا فإن تحويل السكر إلى رمز إنقاذ جيني قد يختزل تعقيدات الاستقلاب البشري في رؤية مبسطة أكثر من اللازم.
أما دفاعه عن القمح الكامل فهو من أكثر عناصر طرحه اتساقا مع كل من الحكمة التراثية وبعض نتائج علم التغذية الحديث ؛ فالقمح الكامل بما يحتويه من ألياف ومغذيات دقيقة يختلف بوضوح عن الدقيق الأبيض منزوع النخالة الذي فقد كثيرا من عناصره البنيوية.
وفي التراث الطبي، أشار ابن سينا وغيره إلى أن الخبز الأقل تنقية أكثر نفعا في كثير من الأحوال وأن الإفراط في الخبز الأبيض قد يسبب انسدادات ومشكلات هضمية.
وهنا يلتقي العوضي مع هذا التصور حين يرى أن المشكلة ليست في القمح ذاته وإنما في تشويهه الصناعي والزراعي وفقدانه لبنيته الأصلية.
و مرة أخرى ينتقل العوضي خطوة أبعد من ذلك لا سيما عندما يربط هذا التشويه بمفهوم رفض جيني وهو تعبير يفتقر إلى ضبط علمي دقيق إذا أخذ حرفيا.
فالفوائد الصحية للحبوب الكاملة مثبتة غالبا عبر تأثيرها على الألياف والاستجابة السكرية والشبع وليس عبر فرضية وجود ذاكرة جينية مباشرة تتعرف على الحبة الأصلية وترفض المتحولة.
وفي موقفه من الدجاج والبيض تظهر نقاط التوتر بين منطقه الجيني والتراث الغذائي.
فالطب الإسلامي التقليدي نظر إلى البيض والدجاج خصوصا إذا حسنت تربيتهما بوصفهما من الأغذية المعتدلة النافعة وقد وصف ابن القيم البيض بأنه يولد دما جيدا في ظروف معينة.
أما العوضي فيوجه نقدا حادا لهذه الأغذية بصورتها الحديثة،انطلاقا من فساد البيئة الصناعية التي تنتجها بما في ذلك الأعلاف والهرمونات والمضادات الحيوية والتعديل السلالي لا سيما وأن الأغذية المسمنة بدأت تطال الدواجن البلدية في محلات الدجاج في مصر والمغرب وبعض الدول التي زرتها مما جعلها بلدية تحمل أغذية مسمومة.
هذا النقد ليس بلا أساس من حيث المبدأ إذ إن جودة الإنتاج الحيواني الصناعي بالفعل موضع نقاش عالمي لكن الإشكال المنهجي يكمن في تعميم الفساد الصناعي على المادة الغذائية نفسها بصورة تكاد تجعلها خطرا جوهريا.
فبدلا من نقد أنظمة الإنتاج يتحول الخطاب أحيانا إلى شبه إدانة مطلقة وهو ما قد يؤدي إلى تضييق الخيارات الغذائية بشكل لا ينسجم مع واقع الناس أو مع مرونة البدن البشري التي أقر بها الطب القديم والحديث معا.
وعند النظر إلى بنيته الفكرية الأشمل يمكن القول إن العوضي لا يهدم الطب التراثي بقدر ما يعيد ترجمته.
فبدلا من الحديث عن اختلال الأخلاط يتحدث عن اختلال الجينات وبدلا من فساد المزاج يتحدث عن تخريب الخلية وبدلا من استعادة التوازن الأخلاطي يدعو إلى استعادة الانسجام الجيني عبر الغذاء الأصيل.
هذا التحول اللغوي يمنح خطابه مسحة علمية معاصرة لكنه يطرح سؤالا جوهريا حول مدى استناده الفعلي إلى الأدلة الجزيئية الصارمة أو ما إذا كان يستخدم المفردات العلمية الحديثة كإطار تعبيري لمشروع فلسفي غذائي أقرب إلى النزعة الإصلاحية منه إلى الطب السريري التجريبي.
وتكمن قوة مشروعه في فضح كثير من تناقضات الصناعة الغذائية الحديثة وفي استعادة قيمة الأغذية التقليدية الكاملة،ط وفي تحفيز الناس على التفكير النقدي تجاه السائد الاستهلاكي.
لكنه في المقابل يواجه نقاط ضعف واضحة أبرزها الميل إلى الحتمية والتعميم وإضفاء طابع شبه شمولي على بعض الفرضيات الغذائية.
ومن ثمة فإن الإنسان وفق العلم الحديث كما في بعض جوانب الطب القديم يمتلك قدرة كبيرة على التكيف الأيضي ولا يمكن اختزال صحته في ثنائية صارمة بين غذاء جيني نقي وآخر "جيني مدمر.
أما باستدلالاته القرآنية فإن سياق الحديث عن أمة لا يمكن أن تطبق سياقاته على أمة أخرى لأن فلسفة الحلال والحرام ترتبط بأدلة شرعية غير أن تحريمها علميا بشكل قطعي يعد مناقضا لنصوص شرعية تجعله حلال أو مباحا .
وهنا تعرض الثوم والبصل لهجوم علمي وهذا يعكس من خلال ما أشار إليه في تصريحاته أن الفساد قد عم وأن الغش قد طم ونظرا لذلك حرمه علميا لا شرعيا لأن العلة تبدأ بفساد الواردات من جهة وفساد الربح السريع من جهة أخرى مما يعني تضخم الثروة للبعض على حساب صحة الناس .
وهنا نؤكد أن صحة الإنسان تبدأ من غذائه وثقافته وبيئته وهذا مشروع فكري قد سبق إليه آخرون مثل د. محمد الفايد ومريم نور وحتى محمد النابلسي وكثير من خبراء التغذية الذين جددوا فيه علوم ابن القيم الجوزية في الطب والانطاكي وابن سينا وغيرهم .
في النهاية يمكننا فهم ضياء العوضي بوصفه ثائرا على النظام الغذائي الصناعي من خلال علميته في الطب الأكاديمي المؤسسي ويحمل مشروعه بعدا إصلاحيا واضحا ويستمد كثيرا من قوته من التقاء الحس التراثي مع النقد الحديث للصناعة الغذائية.
غير أن قيمته الحقيقية لا تكمن في التسليم الحرفي بكل أطروحاته وإنما في استخدامه كحافز لإعادة فحص علاقتنا بالغذاء شريطة ألا يتحول هذا الفحص إلى يقينيات مغلقة تتجاوز حدود الدليل العلمي أو تستبدل مرونة الصحة البشرية بمنظومة صارمة قد يصعب تطبيقها في الواقع المعاصر.
وهنا يمكن القول أن المجتمع بحاجة إلى أن يؤسس من داخله مراكز متطوعة بتصريحات مؤسسية تمكنه من الرقابة الغذائية وتدافع عن حقوق المستهلك كما كان ذلك سائدا في عصر النبوة ولتكن هذه الجماعة التي تنطلق احياء لهذا الفكر تحت شعار جمعيات من غشنا فليس منا للدفاع عن حقوق المستهلك لأهمية هذه التسمية ثقافيا وقيميا وأخلاقيا .
تسمية كانت تشكل محورا أساسا في كل مجتمع انطلاقا من صحته وأن بيت الداء المعدة والطريق إلى منع الداء لا يكون بالدواء وإنما بالغذاء لا سيما وأن شركات في أوروبا كانت قد صنعت علاجا وقائيا للسكر مما أدى إلى أن حدث شللا لبعض مستهلكيه ولم يعرف سببه إلا من خلال ما قدمه المرضى من أن ذلك حدث بعد استهلاك الدواء الوقائي وكل المؤشرات تؤكد أن ما قدمه المرحوم إنما هو نظرة متحررة من داخل الوعي الحضاري ونظرية علمية تحتاج إلى فروض علمية تخضع للنقد هذا من جهة أما الغذاء فإنه يحتاج إلى وعي اجتماعي يعيد ترتيب علاقته بين حقوقه وواقعه.