بينما كانت الشعوب تهتف في الميادين طلباً للعدالة والمحاسبة، كانت الغرف المغلقة تُهندِس واحدة من أكبر "المغالطات القانونية" في التاريخ السياسي الحديث. لم تكن المبادرة الخليجية مجرد مخرج سياسي لأزمة حكم، بل تحولت في جوهرها إلى "صك غفران" سياسي ومنفذ قانوني شرعن الهروب بالثروات المنهوبة، وأسس لمرحلة من النهب "الممنهج" الذي فاق في بشاعته عقوداً من الفساد التقليدي.
صك الغفران.. كيف أُهدرت حقوق الأجيال؟
نصت المبادرة الخليجية بوضوح على منح "الحصانة" لرأس النظام المخلوع وأركان حكمه عن فترة تجاوزت الثلاثين عاماً. هذا البند لم يكن مجرد تسوية سياسية، بل كان بمثابة القضاء بالضربة القاضية على "قانون تجريم الفاسدين". وبدلاً من أن تكون المبادرة جسراً للعبور نحو "دولة النظام والقانون"، أصبحت مظلة حمت مئات المليارات من الدولارات التي هُربت إلى الخارج أو استُثمرت في عقارات وقصور وشقق سكنية في عواصم عربية وأوروبية.
الخطيئة الكبرى لم تقتصر على النظام السابق فحسب؛ بل امتدت لتشمل "قوى المعارضة" والأحزاب الراديكالية واليسارية التي دخلت شريكة في السلطة. هذه القوى، التي طالما رفعت شعارات النزاهة، وجدت في "نموذج الحصانة" ملاذاً آمناً. لقد أدركت أن اللعبة السياسية الجديدة لا تحاسب أحداً، فاستمرأت منهجية النهب ذاتها، ليدخل الجميع في دوامة "المحاصصة" بدلاً من "المحاسبة".
15 عاماً من النهب البشع: الفساد "المُعدى"
ما حدث في السنوات الخمس عشرة الأخيرة يمثل ظاهرة "الفساد المتوحش". فالحصانة التي بدأت كاستثناء لفرد، أصبحت "ثقافة" عامة لدى كل من تولى منصباً سياسياً أو إدارياً. والأرقام هنا تتحدث بلغة "الخيال"؛ فما تم نهبه من موارد الدولة السيادية، وخيرات الأرض، وفرض الجبايات غير القانونية، يفوق بمراحل ما تم نهبه في عقود سابقة.
لقد استنسخت القوى الجديدة، بشتى تلويناتها الأيديولوجية، أدوات النظام المخلوع ولكن بصورة أكثر شراهة. أصبح المنصب وسيلة لتراكم الثروات السريع، وبناء الإمبراطوريات التجارية والمالية، والاطمئنان الكامل بأن المساءلة غائبة بفعل "روح المبادرة" التي لا تزال تسيطر على العقلية السياسية.
آلية "التدوير" لا "التغيير"
تتجلى الكارثة في "آلية التغيير" المتبعة؛ حيث يُستبدل الفاسد بفاسد آخر، ويُزاح المسؤول من منصبه دون أن يُسأل: "من أين لك هذا؟". يغادر المسؤول موقعه محملاً بمليارات "الجبايات" والاستثمارات، ليبدأ خلفه من حيث انتهى سلفه، وفي ذهنه يقين تام بأن "الحصانة" هي العرف السائد، وأن العقاب هو الاستثناء النادر.
لقد تحولت "مافيا الفساد" إلى شبكة عنكبوتية عابرة للأحزاب، حيث يتبادل الجميع الأدوار في نهب الموارد العامة، بينما يرزح الشعب تحت وطأة الجوع وانهيار الخدمات الأساسية.
الحصانة.. جشع بلا رادع
لا تزال تداعيات تلك الحصانة التي منحتها المبادرة الخليجية قائمة حتى اليوم. إنها "اللعنة" التي جعلت الفاسدين بلا وازع من ضمير أو خوف من قانون. هؤلاء الذين أُعطوا الأمان لم يتراجعوا خطوة إلى الوراء، بل زاد جشعهم، وأصبحوا يرون في موارد الدولة "إرثاً خاصاً" لا يحق لأحد منازعتهم فيه.
إن الاستقرار الذي يُبنى على حساب العدالة هو استقرار هش، والحصانة التي تُمنح لناهبي المال العام ليست حلاً سياسياً، بل هي "جريمة مستمرة". إن الحاجة اليوم لم تعد تقتصر على تغيير الوجوه، بل في إسقاط "جدار الحصانة" واستعادة مئات المليارات التي هي حق أصيل لشعب لم يعد يملك من أمره سوى الصبر على جشع "هوامير" السياسة والمال.
لا يمكن بناء دولة "يمنية" حديثة طالما ظل الفاسد ينام قرير العين خلف درع الحصانة، وطالما ظلت أموال الشعب تُبنى بها القصور في الخارج بينما يفتقر المواطن لأبسط مقومات الحياة في الداخل. المساءلة ليست خياراً، بل هي المبادرة الحقيقية الوحيدة التي ينتظرها الناس.
عدنان زين خواجه
بينما كانت الشعوب تهتف في الميادين طلباً للعدالة والمحاسبة، كانت الغرف المغلقة تُهندِس واحدة من أكبر "المغالطات القانونية" في التاريخ السياسي الحديث. لم تكن المبادرة الخليجية مجرد مخرج سياسي لأزمة حكم، بل تحولت في جوهرها إلى "صك غفران" سياسي ومنفذ قانوني شرعن الهروب بالثروات المنهوبة، وأسس لمرحلة من النهب "الممنهج" الذي فاق في بشاعته عقوداً من الفساد التقليدي.
صك الغفران.. كيف أُهدرت حقوق الأجيال؟
نصت المبادرة الخليجية بوضوح على منح "الحصانة" لرأس النظام المخلوع وأركان حكمه عن فترة تجاوزت الثلاثين عاماً. هذا البند لم يكن مجرد تسوية سياسية، بل كان بمثابة القضاء بالضربة القاضية على "قانون تجريم الفاسدين". وبدلاً من أن تكون المبادرة جسراً للعبور نحو "دولة النظام والقانون"، أصبحت مظلة حمت مئات المليارات من الدولارات التي هُربت إلى الخارج أو استُثمرت في عقارات وقصور وشقق سكنية في عواصم عربية وأوروبية.
الخطيئة الكبرى لم تقتصر على النظام السابق فحسب؛ بل امتدت لتشمل "قوى المعارضة" والأحزاب الراديكالية واليسارية التي دخلت شريكة في السلطة. هذه القوى، التي طالما رفعت شعارات النزاهة، وجدت في "نموذج الحصانة" ملاذاً آمناً. لقد أدركت أن اللعبة السياسية الجديدة لا تحاسب أحداً، فاستمرأت منهجية النهب ذاتها، ليدخل الجميع في دوامة "المحاصصة" بدلاً من "المحاسبة".
15 عاماً من النهب البشع: الفساد "المُعدى"
ما حدث في السنوات الخمس عشرة الأخيرة يمثل ظاهرة "الفساد المتوحش". فالحصانة التي بدأت كاستثناء لفرد، أصبحت "ثقافة" عامة لدى كل من تولى منصباً سياسياً أو إدارياً. والأرقام هنا تتحدث بلغة "الخيال"؛ فما تم نهبه من موارد الدولة السيادية، وخيرات الأرض، وفرض الجبايات غير القانونية، يفوق بمراحل ما تم نهبه في عقود سابقة.
لقد استنسخت القوى الجديدة، بشتى تلويناتها الأيديولوجية، أدوات النظام المخلوع ولكن بصورة أكثر شراهة. أصبح المنصب وسيلة لتراكم الثروات السريع، وبناء الإمبراطوريات التجارية والمالية، والاطمئنان الكامل بأن المساءلة غائبة بفعل "روح المبادرة" التي لا تزال تسيطر على العقلية السياسية.
آلية "التدوير" لا "التغيير"
تتجلى الكارثة في "آلية التغيير" المتبعة؛ حيث يُستبدل الفاسد بفاسد آخر، ويُزاح المسؤول من منصبه دون أن يُسأل: "من أين لك هذا؟". يغادر المسؤول موقعه محملاً بمليارات "الجبايات" والاستثمارات، ليبدأ خلفه من حيث انتهى سلفه، وفي ذهنه يقين تام بأن "الحصانة" هي العرف السائد، وأن العقاب هو الاستثناء النادر.
لقد تحولت "مافيا الفساد" إلى شبكة عنكبوتية عابرة للأحزاب، حيث يتبادل الجميع الأدوار في نهب الموارد العامة، بينما يرزح الشعب تحت وطأة الجوع وانهيار الخدمات الأساسية.
الحصانة.. جشع بلا رادع
لا تزال تداعيات تلك الحصانة التي منحتها المبادرة الخليجية قائمة حتى اليوم. إنها "اللعنة" التي جعلت الفاسدين بلا وازع من ضمير أو خوف من قانون. هؤلاء الذين أُعطوا الأمان لم يتراجعوا خطوة إلى الوراء، بل زاد جشعهم، وأصبحوا يرون في موارد الدولة "إرثاً خاصاً" لا يحق لأحد منازعتهم فيه.
إن الاستقرار الذي يُبنى على حساب العدالة هو استقرار هش، والحصانة التي تُمنح لناهبي المال العام ليست حلاً سياسياً، بل هي "جريمة مستمرة". إن الحاجة اليوم لم تعد تقتصر على تغيير الوجوه، بل في إسقاط "جدار الحصانة" واستعادة مئات المليارات التي هي حق أصيل لشعب لم يعد يملك من أمره سوى الصبر على جشع "هوامير" السياسة والمال.
لا يمكن بناء دولة "يمنية" حديثة طالما ظل الفاسد ينام قرير العين خلف درع الحصانة، وطالما ظلت أموال الشعب تُبنى بها القصور في الخارج بينما يفتقر المواطن لأبسط مقومات الحياة في الداخل. المساءلة ليست خياراً، بل هي المبادرة الحقيقية الوحيدة التي ينتظرها الناس.