في ظل الواقع الصحي المتعثر، يتحول السفر للعلاج إلى خيار اضطراري لآلاف اليمنيين سنويًا. غير أن كلفة العلاج في الخارج، مضافًا إليها تذاكر الطيران والإقامة والمصاريف اليومية من غذاء وتنقل، تستنزف مبالغ طائلة تصل إلى آلاف الدولارات لكل مريض، بينما تُنفق الدولة – بصورة مباشرة أو غير مباشرة – ملايين الدولارات سنويًا على العلاج الخارجي دون أن يتحقق حل مستدام يخفف المعاناة.
استنزاف مستمر للاقتصاد والأسرة
المرضى الذين يسافرون لإجراء عمليات جراحية دقيقة أو لتلقي علاج من أمراض خبيثة وفاتكة، غالبًا ما يتحملون التكاليف من جيوبهم الخاصة، أو عبر مساعدات أهل الخير، أو عبر قرارات علاج حكومية محدودة.
وإذا ما جُمعت هذه المبالغ على مستوى سنوي، فإنها تشكل نزيفًا اقتصاديًا حقيقيًا، كان يمكن أن يدور في عجلة الاقتصاد المحلي، بدل أن يخرج إلى الخارج دون عائد تنموي داخلي.
ولعل اللافت أن نسبة كبيرة من رحلات الطيران من وإلى اليمن يغلب عليها المرضى، في مشهد يتكرر منذ عقود، ما يعكس خللًا بنيويًا في النظام الصحي أكثر مما يعكس مجرد نقص عابر في الخدمات.
توطين العلاج… الخيار الاستراتيجي
الحل الجذري لا يكمن في زيادة مخصصات العلاج الخارجي، بل في توطين التخصصات الطبية الحيوية داخل البلاد.
هذا التوجه لا يتطلب – كما يعتقد البعض – معجزة مالية، بل إرادة تخطيطية واستثمارًا مدروسًا في البنية التحتية والكوادر.
يمكن لوزارة الصحة أن تتبنى استراتيجية تقوم على:
إنشاء مستشفيات تخصصية في مجالات الأورام، وجراحة القلب، وزراعة الأعضاء، والأعصاب.
تجهيز غرف عمليات بأحدث المعايير، وتوفير أجهزة الأشعة المتقدمة (الرنين المغناطيسي، الأشعة المقطعية المتطورة، الطب النووي).
استقدام أطباء واستشاريين أكفاء عبر اتفاقيات دولية مع دول مثل الهند والصين وكوبا، إضافة إلى بعض الدول العربية والأوروبية، بنظام تعاقدي مؤقت يوازيه برنامج لإعداد كوادر محلية.
هذا النموذج ليس جديدًا على اليمن؛ فقد شهدت مرحلة اليمن الديمقراطية تجارب في استقدام خبرات طبية أجنبية ساهمت في رفع مستوى الخدمات آنذاك.
استثمار بدل نزيف
إن المبالغ التي تُصرف اليوم على العلاج الخارجي، لو أعيد توجيه جزء منها لبناء مراكز تخصصية داخل البلاد، لأسست قاعدة صحية مستدامة خلال سنوات قليلة.
كما أن وجود مراكز علاجية متقدمة سيخلق فرص عمل، ويشجع الكفاءات اليمنية في المهجر على العودة، ويفتح بابًا للسياحة العلاجية مستقبلًا بدل أن يكون اليمن مصدرًا دائمًا للمرضى المسافرين.
مسؤولية التخطيط الصحي
وزارة الصحة مطالبة بإجراء مراجعة شاملة لأولويات الإنفاق، وتقييم جدوى استمرار الاعتماد شبه الكلي على العلاج الخارجي.
المطلوب ليس فقط تحسين إدارة الموارد، بل صياغة رؤية وطنية للصحة تقوم على الاكتفاء التدريجي في التخصصات الحرجة، وضمان عدالة الوصول للعلاج دون أن يضطر المريض لبيع ممتلكاته أو انتظار إحسان الآخرين.
أمل ممكن التحقيق
إن بناء منظومة علاجية وطنية متقدمة ليس ترفًا، بل ضرورة إنسانية واقتصادية.
فكل عملية تُجرى داخل البلاد تعني أسرة لم تُثقل بالديون، وملايين لم تُستنزف خارج الحدود، وثقة تُستعاد في قدرة الدولة على حماية مواطنيها صحيًا.
الحلول الجذرية تبدأ بقرار شجاع: تحويل مسار الإنفاق من الخارج إلى الداخل، ومن المعالجة المؤقتة إلى البناء المستدام.