آخر تحديث :Sun-12 Apr 2026-02:21PM
أخبار وتقارير

لحج على حافة اختبار تاريخي.. كيف سيواجه مراد الحالمي إرث الانهيار وتعقيدات السياسة والفقر؟

الأحد - 12 أبريل 2026 - 12:41 م بتوقيت عدن
لحج على حافة اختبار تاريخي.. كيف سيواجه مراد الحالمي إرث الانهيار وتعقيدات السياسة والفقر؟
((عدن الغد))خاص

القسم السياسي صحيفة عدن الغد

يدخل محافظ محافظة لحج الجديد مراد علي محمد الحالمي إلى واحدة من أصعب الساحات الإدارية والسياسية في البلاد، في لحظة تتقاطع فيها الأزمات بشكل غير مسبوق، حيث لم تعد لحج تعاني من خلل واحد يمكن إصلاحه، بل من منظومة انهيار متكاملة تمس كل مفاصل الحياة. فالمحافظة التي كانت تمثل عمقاً زراعياً واقتصادياً مهماً، تحولت اليوم إلى نموذج معقد للأزمات، ما يجعل مهمة الحالمي أقرب إلى محاولة إعادة بناء محافظة من الصفر، لا مجرد إدارتها. هذا الواقع يفرض قراءة تفصيلية لكل تحدٍ على حدة، مع فهم عميق لكيف يمكن للمحافظ الجديد أن يتعامل معه، وما هي فرص النجاح والفشل.


أول التحديات وأكثرها إلحاحاً يتمثل في أزمة الخدمات الأساسية، وهي الأزمة التي ستشكل المقياس الأول لنجاح أو فشل مراد الحالمي. الكهرباء في لحج لم تعد خدمة مستقرة، بل تحولت إلى أزمة يومية تستنزف حياة الناس، في حين تعاني المياه من شح حاد، وشبكات الصرف الصحي من انهيار واضح. هذه الملفات ليست مجرد مشاكل خدمية، بل تعبير عن غياب الدولة لسنوات طويلة. هنا سيكون على الحالمي أن يتعامل مع واقع صعب: موارد محدودة جداً، وبنية تحتية شبه منهارة، وغضب شعبي متصاعد. الحل لا يمكن أن يكون عبر الوعود، بل عبر خطوات عملية تبدأ بإعادة توجيه الموارد، ووقف الهدر، وفرض رقابة صارمة على الإيرادات، مع البحث عن تدخلات سريعة—even إسعافية—تحسن ولو جزئياً من واقع الخدمات. قدرة الحالمي على تحقيق اختراق في هذا الملف خلال الأشهر الأولى ستحدد بشكل كبير مستقبله السياسي في المحافظة.


التحدي الثاني الذي يواجه مراد الحالمي يتمثل في ضعف الجهاز الإداري للدولة، وهو تحدٍ أخطر مما يبدو، لأن أي خطة إصلاح ستصطدم مباشرة بجهاز بيروقراطي مترهل، اعتاد العمل دون مساءلة. في لحج، كثير من المؤسسات تعمل بلا خطط، وبلا التزام، وبعضها تحوّل إلى أدوات نفوذ لمراكز قوى داخلية. الحالمي هنا أمام معركة صامتة، لكنها حاسمة: إما أن يعيد هيكلة هذا الجهاز، ويفرض الانضباط، ويربط المناصب بالأداء، أو سيجد نفسه محاطاً بجدار من التعطيل غير المعلن. النجاح في هذا الملف يتطلب قرارات جريئة، تبدأ بتغيير القيادات غير الفاعلة، وتفعيل أدوات الرقابة، وإجبار المؤسسات على العمل وفق برامج زمنية واضحة، وهو مسار قد يواجه مقاومة شديدة من داخل النظام الإداري نفسه.


أما التحدي الأمني، فهو التحدي الذي سيحدد قدرة مراد الحالمي على التحرك في بقية الملفات. فالوضع الأمني في لحج لا يزال هشاً في بعض المناطق، مع انتشار السلاح، ووجود اختلالات متفرقة، وتداخل في الصلاحيات بين بعض التشكيلات. أي مشروع خدمي أو اقتصادي لن ينجح في ظل بيئة غير مستقرة. لذلك، سيكون على الحالمي أن يعمل على توحيد القرار الأمني، وتعزيز حضور الأجهزة الرسمية، وفرض هيبة القانون بشكل متوازن، دون الدخول في صدامات مفتوحة قد تعقد المشهد أكثر. هذه معادلة صعبة، لكنها ضرورية، لأن الأمن هو القاعدة التي تُبنى عليها بقية الإصلاحات.


التحدي السياسي يُعد من أعقد التحديات التي ستواجه مراد الحالمي، خاصة في ظل كون لحج واحدة من أبرز البيئات التي نشطت فيها قوى الأمر الواقع خلال السنوات الماضية، والتي تراجعت مؤخراً لكنها لم تختفِ بالكامل. هذا الواقع يخلق ما يمكن وصفه بـ”التعطيل الناعم”، حيث تستمر بعض شبكات النفوذ داخل مؤسسات الدولة، وتعمل على إبطاء القرارات أو عرقلتها دون مواجهة مباشرة. الحالمي هنا بحاجة إلى ذكاء سياسي عالٍ، يجمع بين الحسم الإداري والاحتواء، بحيث لا يسمح باستمرار هذه الشبكات، وفي الوقت نفسه لا يحول المعركة إلى صراع سياسي مفتوح. نجاحه في تفكيك هذا النفوذ بهدوء سيكون من أهم إنجازاته، وفشله سيبقي المحافظة رهينة لحالة الجمود.


ومن بين التحديات الأكثر تعقيداً، يأتي التحدي الاقتصادي، والذي يتضاعف بسبب حقيقة أن لحج تُعد من أفقر المحافظات من حيث الموارد. فالمحافظة لا تمتلك مصادر دخل كبيرة، وتعتمد بشكل شبه كامل على دعم مركزي محدود، في ظل وجود فساد يستنزف ما هو متاح. هذا الواقع يضع مراد الحالمي أمام معادلة صعبة: كيف يمكن تحسين الوضع الاقتصادي دون موارد كافية؟ الحل هنا لا يكمن في انتظار الدعم، بل في تعظيم الإيرادات المحلية، وضبطها، ومنع تسربها، إلى جانب البحث عن استثمارات صغيرة ومتوسطة، وتشجيع المبادرات المجتمعية. كما أن إعادة تشغيل بعض القطاعات الإنتاجية—even بشكل محدود—قد يساهم في تخفيف الضغط الاقتصادي.


القطاع الزراعي يمثل تحدياً وفرصة في آن واحد أمام مراد الحالمي. لحج التي كانت تُعرف تاريخياً بأنها سلة غذاء، تعاني اليوم من تراجع كبير في هذا القطاع، نتيجة شح المياه وغياب الدعم وارتفاع التكاليف. إعادة إحياء الزراعة ليست مهمة سهلة، لكنها ممكنة إذا تم التعامل معها كأولوية اقتصادية. الحالمي يمكنه أن يبدأ بخطوات تدريجية، مثل دعم المزارعين، وتوفير المياه، وتشجيع الاستثمار الزراعي، وهو ما قد يخلق فرص عمل ويعيد جزءاً من النشاط الاقتصادي للمحافظة.


أما ملف الفساد، فهو التحدي الذي سيختبر جدية مراد الحالمي بشكل مباشر. الفساد في لحج ليس ظاهرة عابرة، بل بنية متجذرة داخل بعض المؤسسات. مواجهته تتطلب شجاعة، لأن أي محاولة للإصلاح ستصطدم بمصالح قوية. الحالمي أمام خيارين: إما أن يدخل في تسويات تحفظ له هدوءاً مؤقتاً، أو أن يواجه هذه الشبكات، وهو خيار صعب لكنه الوحيد القادر على إحداث تغيير حقيقي. تفعيل الأجهزة الرقابية، وفرض الشفافية، وربط الإيرادات بالمصروفات بشكل واضح، ستكون أدوات أساسية في هذه المواجهة.


ويبقى التحدي الأهم الذي سيواجه مراد الحالمي هو كسب ثقة الشارع. المواطن في لحج لم يعد يثق بسهولة، بعد سنوات من الوعود غير المنفذة. الحالمي بحاجة إلى إنجازات ملموسة، حتى لو كانت صغيرة، لأنها ستشكل فارقاً في نظرة الناس له. التواصل المباشر مع المواطنين، والوضوح في طرح التحديات، والعمل بعيداً عن الخطاب الإعلامي المبالغ فيه، كلها عوامل قد تساعده في بناء هذه الثقة.


في النهاية، يمكن القول إن مراد الحالمي لا يواجه مهمة تقليدية، بل اختباراً سياسياً وإدارياً شاملاً، في محافظة تعاني من كل شيء تقريباً: فقر الموارد، انهيار الخدمات، ضعف الدولة، وتعقيدات السياسة. نجاحه لن يكون سهلاً، لكنه ليس مستحيلاً إذا ما استطاع أن يوازن بين الحسم والاحتواء، وأن يتحرك بخطوات واقعية ومدروسة. لحج اليوم تحتاج إلى مشروع استعادة دولة، وإذا نجح الحالمي في وضع أول لبنة في هذا المشروع، فقد يفتح باباً لتغيير حقيقي، أما إذا أخفق، فإن المحافظة ستبقى أسيرة نفس الدائرة، مهما تغيرت الأسماء.